تحول منتجع “إيفيان-لي-بان” الفرنسي الهادئ القابع على شواطئ بحيرة جنيف إلى ثكنة دبلوماسية فائقة التحصين، مع توافد قادة القوى الاقتصادية السبع الكبرى للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والخمسين للقمة السنوية، والتى تبدأ اليوم الاثنين.
وتأتي هذه القمة الإستثنائية، التي تستمر حتى يوم الأربعاء، في خضم مشهد دولي يوصف بأنه الأكثر تعقيداً وخطورة في الذاكرة القريبة؛ حيث لم تعد الملفات المطروحة فوق طاولة النقاش مقتصرة على بنود الجداول التقليدية، بل تحولت إلى إدارة أزمات حارقة تتداخل فيها نذر الحروب الشاملة وضغوط الحروب الجمركية.
ويأتى ذلك مع الصعود الجارف لعمالقة الذكاء الاصطناعي الذين يشاركون للمرة الأولى في صياغة ملامح النظام العالمي الجديد.
عيد ميلاد نرامب يؤجل انطلاق القمة
تأخر الإقلاع الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو فرنسا إثر مشاهدته نزالاً قتالياً عنيفاً (MMA) جرى على العشب الجنوبي للبيت الأبيض تزامناً مع احتفاله بعيد ميلاده الثمانين، مما تسبب في إرجاء افتتاح فعاليات القمة يوماً واحداً.
عشاء الإليزيه وذكرى الاستقلال بظلال إستراتيجية
يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأمريكي في لقاء ثنائي مغلق بالمنتجع الجبلي، يليه عشاء عمل رسمي تحت عنوان “الاستجابة معاً للتحديات الدولية الكبرى”، قبيل الانتقال لاحقاً لقصر فرساي لإحياء الذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا.
اتفاق الساعات الأخيرة مع طهران يترقب الحسم
تتجه أنظار الوفود الدولية نحو فرع الدبلوماسية الخلفية لإنهاء النزاع المشتعل مع إيران منذ فبراير الماضي، وسط تفاؤل أمريكي وباكستاني غير مسبوق بوصول التفاهمات لمرحلة الصياغة النهائية المقتربة من التوقيع الفعلي خلال أيام.
ألغام مضيق هرمز ومعضلة شل حركة الطاقة العالمية
وتمثل موافقة ترمب على خطة التطهير العسكري والمشترك للممر المائي الإستراتيجي من الألغام الإيرانية العقبة الأبرز بالقمة، بعدما أدى إغلاق هرمز أمام الدول “غير الصديقة” لقفزات جنونية بأسعار النفط وشل ربع التجارة البحرية.
الندّية الأوروبية الجديدة
وتسلط الأضواء على العلاقات البراغماتية المتوترة بين ماكرون وترمب؛ إذ انتهت مرحلة الصداقة الدافئة لصالح احترام متبادل ومتحفظ، في وقت يبدي فيه القادة الأوروبيون رفضاً قاطعاً لسياسات الانحناء أمام الرسوم الجمركية والتهديدات الأطلسية.
شرخ عالمي يهدد قواعد النظام الدولي
ووفى الموقف الكندي، لخص رئيس الوزراء مارك كارني خطورة التوقيت الدولي بكلمة ألقاها في دبلن، مؤكداً أن العالم يعيش مرحلة تصدع وشرخ حاد لا انتقال هادئ، ومحذراً من الانهيار الشامل للنظام السائد الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
زيلينسكي في إيفيان
ويشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جلسة عمل مخصصة لأمن أوروبا دون ترتيب أي لقاء ثنائي مع الرئيس الأمريكي، في مؤشر واضح على تراجع ثقل ملف كييف لدى دوائر صنع القرار بالبيت الأبيض.
عمالقة الذكاء الاصطناعي على طاولة الملوك والرؤساء
وفي حدث تاريخي غير مسبوق، يشهد غداء عمل الأربعاء حضور رؤساء كبريات شركات التقنية الفائقة: “OpenAI” و”Google DeepMind” و”Anthropic”، لبحث النشر الآمن والسريع للذكاء الاصطناعي وتأطير حوكمته المؤسسية دولياً.
ومن المقرر أن يعقد ترامب اجتماعات ثنائية مع قادة فرنسا وقطر والإمارات ومصر والهند.
قمة المصالح المتقاطعة والبحث عن ممرات آمنة
المعطيات المحيطة بقمة “إيفيان” تشير وفقا لمحللين بوكالات انباء عالمية، أن القوى الصناعية الكبرى تقف أمام لحظة فاصلة لإعادة صياغة توازنات القوى العالمية.
فالصراع لم يعد محصوراً بين جيوش تتقاتل على الأرض، بل بات صراعاً على الهيمنة التكنولوجية، والتحكم بممرات الطاقة، وفرض الشروط الحمائية للأسواق.
ومع تداخل أوراق الضغط الإيرانية والروسية مع طموحات الذكاء الاصطناعي، يجد قادة السبع أنفسهم مطالبين بتقديم إجابات حاسمة لإنقاذ سلاسل التوريد ومنع انفجار صراعات جديدة، لتبقى مياه “إيفيان” الهادئة مرآة تعكس أشد فترات التاريخ الدبلوماسي غلياناً وترقباً.


