تقرير تحليلي
تشهد نيويورك، اليوم الثلاثاء، تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا بشأن الأزمة السودانية، حيث يُعقد اجتماع وزاري خاص على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تتقاطع فيه عدة مسارات دولية وإقليمية دفعة واحدة: مسار أمريكي، وآخر إقليمي بقيادة “إيغاد”، إلى جانب حضور الأطراف السودانية نفسها بثقلها السياسي والمدني. هذا التزامن، رغم ما يحمله من زخم، يكشف في العمق عن مشهد دبلوماسي متشظٍ يحاول جاهدًا أن يجد له بوصلة موحدة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
تعدد المبادرات.. قوة أم عبء؟
اللافت في هذه الجولة من التحرك الدولي هو أنها لا تأتي من فراغ، بل في سياق تراكمي: اجتماع وزراء خارجية “إيغاد” في جيبوتي منتصف الشهر، ثم الخطة الأمريكية ذات المحاور الخمسة التي يقودها مسعد بولس، وصولًا إلى اجتماع اليوم في نيويورك. ظاهريًا، يعكس هذا التزامن حالة إجماع دولي متنامٍ على ضرورة التحرك. لكن من زاوية تحليلية، فإن تعدد المسارات – الأممي والإقليمي والأمريكي – قد يتحول من عامل قوة إلى عامل تعقيد، خصوصًا أن التصريحات الرسمية من الأطراف الدولية نفسها تكرر عبارة “تنسيق الجهود” و”تجاوز تعدد المبادرات”، وهو ما يشي ضمنيًا بأن غياب التنسيق كان ولا يزال أحد أبرز معوقات أي اختراق حقيقي حتى الآن.
الخطة الأمريكية.. مقاربة تدرّجية لكنها مشروطة بتوافق الأطراف
تبرز الخطة الأمريكية بمحاورها الخمسة (هدنة 90 يومًا، مساعدات وحماية مدنيين، وقف دائم لإطلاق النار، انتقال مدني، ثم إعادة إعمار) كأكثر المبادرات تفصيلًا حتى اللحظة، وهي تحاول ربط المسار الإنساني بالمسار السياسي بشكل متسلسل بدلًا من طرحهما كملفين منفصلين. غير أن نجاح هذه المقاربة التدرجية يبقى رهينًا بعاملين حاسمين: أولًا، قدرة واشنطن على حشد شركائها الإقليميين (الإمارات والسعودية ومصر وقطر وتركيا) خلف موقف موحد فعليًا لا شكليًا فقط، خصوصًا أن بعض هذه الأطراف اتُّهمت في تقارير سابقة بأدوار متباينة في دعم أطراف النزاع؛ وثانيًا، مدى استعداد طرفي الحرب داخليًا للقبول بهدنة تُفرض عليهما من الخارج، في وقت لا تزال فيه موازين القوة الميدانية غير حاسمة لأي طرف.
البرهان وحمدوك.. خطابان متوازيان لا يلتقيان بالضرورة
يكشف حضور كل من البرهان وحمدوك في نيويورك في التوقيت نفسه عن انقسام الساحة السودانية ذاتها بقدر ما يعكس محاولة كل طرف لكسب الشرعية الدولية. فبينما يطرح البرهان، عبر مقاله في “فورين بوليسي”، رؤية “من أعلى” تبدأ بوقف إطلاق النار وتنتهي بدستور وانتخابات تحت مظلة مؤسسات الدولة القائمة، يسعى حمدوك ووفد “صمود” إلى الضغط “من الخارج” عبر الكونغرس والخارجية الأمريكية لصالح مسار مدني أكثر شمولًا. هذا التوازي بين الخطابين – الرسمي والمدني – يعني عمليًا أن أي تسوية مرتقبة ستحتاج إلى جسر فجوة الثقة بين الطرفين قبل الحديث عن “عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون”، وهو الشعار الذي يتكرر في كل البيانات الدولية دون أن يترجم بعد إلى آلية تفاوضية واضحة.
ملف السلاح.. نقطة الاختبار الحقيقية
من الناحية العملية، يبقى ملف تدفق السلاح ومصادر تمويله المؤشر الأكثر دلالة على جدية المجتمع الدولي هذه المرة. فدعوات توسيع حظر السلاح من دارفور ليشمل السودان بأكمله، وتحذيرات الأمين العام غوتيريش من مسؤولية الدول الداعمة لأطراف النزاع، تضع إصبعًا مباشرًا على جذر استمرار الحرب. وإذا ظل هذا الملف حبيس البيانات دون آليات إنفاذ وعقوبات فعلية، فإن أي هدنة إنسانية – مهما كانت مدتها – ستبقى مهددة بالانهيار كما حدث مع محاولات سابقة.
وفى النهاية يمكن القول .
يمثل اجتماع نيويورك محطة مهمة على مستوى الزخم الدبلوماسي، لكنه ليس بالضرورة نقطة تحول حاسمة، ما لم تنجح الأطراف الدولية في تحويل “المسارات الثلاثة” المعلنة – وقف القتال، حماية المدنيين وضبط السلاح، وإطلاق عملية سياسية – من إطار عام متكرر إلى جدول زمني وآليات مساءلة ملموسة. فالفجوة الحقيقية اليوم ليست في غياب الإرادة الدولية المعلنة، بل في المسافة بين هذه الإرادة وقدرتها على التأثير في موازين القوى الداخلية السودانية التي لا تزال هي الحكم الفعلي في مسار الحرب أو السلام


