في ليلةٍ باردة من شتاء عام 1991، انطفأت أضواء قرية صغيرة في شمال كشمير، لكن ظلامًا أكبر كان يتكوّن في القلوب. صرخات النساء في ” كونانبوشبورا ” لم تكن مجرد أصوات مذعورة في العتمة؛ كانت بداية حكاية ألمٍ ممتدّ عبر العقود.
اليوم، وبعد مرور خمسة وثلاثين عامًا، ما تزال العدالة غائبة، وما تزال الذاكرة حيّة كجرحٍ لم يُضمد، فيما تُحيي الكشميريات “يوم مقاومة المرأة” وهنّ يحملن إرثًا ثقيلًا من الألم والصمود.
كونانبوشبورا.. الجريمة التي تحوّلت إلى رمز
وفقا لموقع ” خدمة كشمير الإعلامية ” تقع قرية كونانبوشبورا في منطقة كوبوارا شمال إقليم جامو وكشمير.
في فبراير\شباط 1991، اتُّهم أفراد من القوات الهندية بارتكاب عمليات اغتصاب جماعي خلال حملة تفتيش ليلية.
ومنذ ذلك التاريخ، تحوّلت القرية إلى عنوانٍ لقضية إنسانية معقّدة، تتداخل فيها شهادات الناجيات مع سجالاتٍ قانونية وسياسية لم تُحسم.
ورغم تعاقب السنوات، لم تصل القضية إلى خاتمةٍ قضائية تُرضي الضحايا أو تطفئ غضب الذاكرة الجمعية، لتصبح كونانبوشبورا رمزًا لمعاناة أوسع تعيشها النساء في الإقليم.
أرقام تُثقل الضمير
بحسب تقرير صادر عن قسم الأبحاث في وكالة كشمير الإعلامية، فإن ما لا يقل عن 690 امرأة قُتلن على يد القوات الهندية في جامو وكشمير منذ يناير/كانون الثاني 2001 وحتى اليوم.
ويشير التقرير إلى أن الصراع المستمر منذ عام 1989 خلّف ما يقرب من 22,991 أرملة، فيما تعرّضت 11,269 امرأة لاعتداءات مختلفة خلال العقود الماضية. أرقامٌ لا تُختزل في إحصاءات، بل تحكي قصص بيوتٍ تهدّمت، وأمهاتٍ انتظرن أبناءً لم يعودوا، ونساءً حُمّلن عبء الفقد والعنف معًا.
” يوم مقاومة المرأة”.. ذاكرة في مواجهة النسيان
يُحيي الكشميريون على جانبي خط السيطرة هذا اليوم تخليدًا للناجيات من كونانبوشبورا، واستذكارًا لكل امرأة دفعت ثمن الصراع.
وقد دعا ائتلاف جامو وكشمير للمجتمع المدني إلى اعتماد المناسبة يومًا لمقاومة المرأة الكشميرية، في خطوةٍ هدفت إلى تحويل الألم إلى فعلٍ مدني يطالب بالمساءلة والإنصاف.
كما حظيت المبادرة بدعم مؤتمر حريات جميع الأحزاب، الذي شدد على ضرورة إبقاء القضية حيّة في الوعي المحلي والدولي.
بين الروايات المتضاربة وغياب الحسم
القضية لم تكن يومًا مجرد ملفٍ جنائي؛ بل تحوّلت إلى ساحة مواجهة بين روايات متباينة.
ففي حين تصرّ منظمات حقوقية وأهالي الضحايا على المطالبة بتحقيق مستقل وشامل، تنفي السلطات الهندية الاتهامات وتعتبرها غير مثبتة.
وبين هذا وذاك، تبقى النساء العالقات في قلب الحكاية، ينتظرن اعترافًا قانونيًا يعيد لهنّ شيئًا من الكرامة المسلوبة.
النساء في قلب الصراع.. صمود رغم الألم
لم تكن الكشميريات ضحايا فحسب؛ بل أصبحن أيضًا صوتًا للمطالبة بالحقوق والعدالة، ففي ظل واقعٍ أمنيّ متوتر، تواصل النساء أدوارهن في إعالة أسرهن، وتوثيق الانتهاكات، والمشاركة في الحراك المدني، رغم المخاطر والضغوط الاجتماعية.
إن مأساة كونانبوشبورا لم تعد حدثًا معزولًا في سجل الصراع، بل صارت عنوانًا لمعركةٍ أوسع تتعلّق بحقوق الإنسان وكرامة المرأة في مناطق النزاع.
العدالة المؤجلة.. إلى متى؟
بعد خمسة وثلاثين عامًا، لا تزال الأسئلة مفتوحة: هل يمكن أن يُطوى هذا الملف دون محاسبة؟ وهل يُكتب للناجيات يومًا أن يسمعن حكمًا يُنصفهن؟
في يوم مقاومة المرأة الكشميرية، يتجدّد العهد بأن الذاكرة لن تُمحى، وأن الصمت لن يكون قدرًا.
فربما لا تغيّر الكلمات الماضي، لكنها تُبقي الحقيقة حيّة.. وتُذكّر العالم بأن العدالة، وإن تأخرت، تظلّ حقًا لا يسقط بالتقادم.


