تواجه الحكومة الكندية ضغوطاً سياسية وقانونية متزايدة على خلفية الجدل الذي أثاره عقد يسمح لشركة تومسون رويترز بتوفير بيانات من منصة «كلير» (CLEAR) إلى هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، في خطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بحماية الخصوصية ونقل البيانات الشخصية عبر الحدود، وسط مطالبات بإعادة تقييم الإطار القانوني المنظم لمثل هذه الاتفاقيات.
وأثار الكشف عن العقد موجة انتقادات من أحزاب المعارضة وخبراء القانون الرقمي، الذين حذروا من أن استخدام قواعد بيانات تضم معلومات عامة وعقارية وتجارية قد يفتح الباب أمام توظيفها في عمليات تتجاوز الأغراض التجارية أو القانونية التقليدية، لتشمل المراقبة أو دعم إجراءات الهجرة والترحيل داخل الولايات المتحدة.
ويقود زعيم الحزب الديمقراطي الجديد، آفي لويس، حملة للمطالبة بتدخل حكومة رئيس الوزراء مارك كارني لوقف تنفيذ الاتفاق، مؤكداً أن الشركات الكندية ينبغي ألا تشارك في تقديم أدوات قد تُستخدم في سياسات الهجرة الأمريكية، خاصة في ظل الجدل الدائر حول آليات إنفاذ قوانين الهجرة وحقوق المهاجرين.
كما دعا لويس إلى فتح مراجعة قانونية عاجلة للعقد، للتأكد من توافقه مع التشريعات الكندية الخاصة بحماية البيانات والخصوصية، محذراً من أن استمرار مثل هذه الاتفاقيات قد يضع كندا أمام انتقادات تتعلق بالتزاماتها الحقوقية والدولية.
في المقابل، أوضحت شركة تومسون رويترز أن منصة «كلير» تُستخدم بصورة أساسية في التحقيقات القانونية والمالية، إضافة إلى مكافحة الاحتيال والتحقق من المعلومات، مؤكدة أن استخدام البيانات يتم وفق العقود المبرمة والقوانين المعمول بها، دون أن تقدم تعليقاً مباشراً على الدعوات السياسية المطالبة بإلغاء الاتفاق.
ويرى خبراء القانون أن القضية تتجاوز عقداً تجارياً عادياً، إذ تمثل نموذجاً للتحديات الجديدة التي فرضها التوسع الكبير في قواعد البيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت قادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من المعلومات الشخصية في وقت قصير.
وقال أستاذ القانون بجامعة أوتاوا، مايكل غايست، إن الجدل الحالي يعكس الحاجة إلى تحديث التشريعات الكندية بما يواكب التطورات الرقمية، موضحاً أن نقل البيانات عبر الحدود أصبح من أكثر القضايا حساسية في ظل تنامي استخدام البيانات في التحقيقات الأمنية وإنفاذ القانون.
وأضاف أن الحكومات باتت مطالبة بوضع قواعد أكثر صرامة لتنظيم انتقال المعلومات بين الشركات الخاصة والجهات الأجنبية، مع ضمان توفير رقابة مستقلة وآليات واضحة لحماية حقوق الأفراد.
من جانبه، اعتبر المحامي الكندي المتخصص في قوانين الخصوصية، ديفيد فريزر، أن القضية قد تدفع البرلمان الكندي إلى مراجعة التشريعات الحالية الخاصة بحماية البيانات، خصوصاً فيما يتعلق بالعقود التي تسمح بنقل معلومات عن أفراد داخل كندا إلى مؤسسات أو سلطات خارجية.
وأشار إلى أن التطور السريع في تقنيات تحليل البيانات يجعل من الضروري تحديث القوانين بصورة مستمرة، لضمان تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وإنفاذ القانون من جهة، وحماية الخصوصية والحقوق المدنية من جهة أخرى.
ولا يُعد هذا الجدل الأول من نوعه في العلاقات الكندية الأمريكية، إذ شهدت السنوات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر توسعاً كبيراً في برامج تبادل المعلومات الأمنية بين البلدين، وهو ما أثار آنذاك نقاشات واسعة بشأن حدود التعاون الأمني ومدى تأثيره على الحقوق الفردية.
لكن التطورات التقنية خلال العقدين الماضيين، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، زادت من تعقيد هذه القضية، بعدما أصبحت قواعد البيانات أكثر شمولاً وقدرة على الربط بين المعلومات الشخصية والعقارية والمالية والتجارية، بما يرفع مستوى المخاوف بشأن إساءة استخدامها أو توظيفها خارج الأهداف المعلنة.
ويتوقع مراقبون أن تتصاعد الضغوط السياسية خلال الفترة المقبلة على حكومة مارك كارني لتوضيح موقفها من الاتفاق، وربما إطلاق مراجعة شاملة للعقود التي تتضمن مشاركة بيانات مع جهات أجنبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل كندا لتعزيز سيادة البيانات وتشديد الرقابة على انتقال المعلومات خارج البلاد.
ويرى خبراء أن القضية قد تتحول إلى محطة مهمة في مسار تحديث قوانين الخصوصية الكندية، خصوصاً مع توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التحقيقات وإنفاذ القانون، وهو ما يفرض تحديات متزايدة أمام المشرعين لتحقيق توازن مستدام بين الأمن الرقمي وحماية الحقوق والحريات الفردية.


