سجلت القوات الأوكرانية تحولاً نادراً في مسار الحرب عبر إطلاق أكبر هجوم بالمسيرّات استهدف العمق الروسي بـ 1600 طائرة مسيّرة، ركزت أهدافها على مصافي النفط الكبرى وفي مقدمتها مصفاة منطقة “كابوتنيا” بموسكو.
وتعود هذه القدرة النوعية إلى الدعم البريطاني المكثف الذي شمل تسليم 25 ألف مسيّرة متطورة، مع تعهدات بتقديم 120 ألف أخرى، أبرزها طرازات طويلة المدى مثل “Nyan” وأخرى سرية يصل مداها إلى 960 كم.
وتزامن هذا الدعم مع نقل تقنية وتوطين تصنيع صواريخ “ستورم شادو” داخل كييف، مما تسبب في أزمة دبلوماسية حادة دفع بموسكو لسحب سفيرها من لندن.
الاستراتيجية الأوروبية
جاء التحرك الأوروبي المكثف بقيادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا نتيجة التراجع الأمريكي في عهد ترامب، والذي فرض اتفاقات استغلال الموارد على كييف ودعا للتنازل عن الأقاليم الأربعة لصالح روسيا.
هذا الخذلان دفعت واشنطن ثمنه جراء امتناع الدول الأوروبية عن دعمها في حرب إيران ومضيق هرمز.
وباتت أوروبا تتعامل مع أوكرانيا كمنطقة عازلة (Buffer Zone) لحماية أمنها القومي، حيث رفعت ألمانيا ميزانياتها الدفاعية إلى 100 مليار يورو وشهدت تحولاً تاريخياً بتحويل مصانع مدنية لإنتاج منظومات الدفاع الجوي.
تقنية صواريخ
أبرزت وكالة «رويترز» في تقاريرها أن نقل تقنية صواريخ “ستورم شادو” وتدفق المسيرات البريطانية يمثل كسرًا صريحاً للخطوط الحمراء الروسية وتغييراً لميزان القوى بالعمق الإستراتيجي.
ومن جانبها، سلطت «بلومبرج» الضوء على الخسائر الاقتصادية الناجمة عن استهداف مصافي النفط الروسية والتي قُدرت بـ 47 مليار دولار، مؤكدة أن ضغط اللوجستيات وضع اقتصاد الحرب الروسي أمام اختبار حقيقي.
استراتيجية الاستنزاف
يعكس التصعيد الأوكراني المدعوم أوروبياً قناعة راسخة لدى عواصم القارة العجوز بأن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد خياراً مضموناً، مما فرض خوض “حرب مصير” بالوكالة.
إن ضرب المصافي الروسية وتوطين الصناعات الصاروخية داخل أوكرانيا يهدف إلى رفعه كلفة الاستمرار في الحرب بالنسبة لموسكو، وفرض واقع تفاوضي جديد يمنع الروس من تثبيت مكاسبهم الميدانية.
وتتوقف استدامة هذه الاستراتيجية على مدى قدرة الاقتصاد الأوروبي على تحمل تكاليف التسليح الباهظة واستعداد روسيا للتعامل مع معضلة استنزاف مواردها الديموغرافية والنفطية.
حماية الحدود
تجسد تحركات أوروبا في الجبهة الأوكرانية استعادة لوعيها الجيوسياسي القائم على حماية الحدود ومنع فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية.
وسيبقى المسار القادم مرهوناً بقدرة الأطراف على فرض كلفة غير محسوبة على الطرف الآخر، حتى تجلس القوى المتصارعة على طاولة المفاوضات من موقع تعادل الردع واستعادة التوازن.