يُجمع عدد كبير من المؤرخين على أن عام 1898 شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الولايات المتحدة، إذ انتقلت خلاله من دولة تركز على شؤونها الداخلية إلى قوة دولية تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا خارج حدودها. وجاء هذا التحول في أعقاب الحرب الإسبانية الأمريكية، التي اندلعت على خلفية الصراع في كوبا، لتفتح مرحلة جديدة في السياسة الخارجية الأمريكية امتدت آثارها حتى القرن الحادي والعشرين.
عقيدة العزلة.. سياسة هيمنت لعقود
منذ تأسيس الولايات المتحدة، تبنى عدد من الرؤساء الأوائل، وفي مقدمتهم جورج واشنطن، سياسة تقوم على تجنب الانخراط في النزاعات الأوروبية والتركيز على بناء الدولة داخليًا. وتعزز هذا التوجه لاحقًا مع إعلان “عقيدة مونرو” عام 1823، التي هدفت إلى منع التدخل الأوروبي في القارة الأمريكية، مع الابتعاد في المقابل عن الصراعات الدولية.
ورغم أن هذه السياسة لم تمنع الولايات المتحدة من توسيع نفوذها داخل القارة الأمريكية، فإنها ظلت لعقود بعيدة عن الانخراط العسكري المباشر في النزاعات الخارجية الكبرى.
الثورة الكوبية وتبدل المشهد
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تصاعدت الثورة الكوبية ضد الحكم الإسباني، وسط تقارير عن انتهاكات واسعة وإجراءات قمعية اتخذتها السلطات الإسبانية بحق السكان المدنيين.
وشهدت الولايات المتحدة آنذاك نشاطًا ملحوظًا للجالية الكوبية، خاصة في مدينة نيويورك، حيث عمل عدد من النشطاء والمثقفين، وفي مقدمتهم خوسيه مارتي، على كسب التعاطف الشعبي مع القضية الكوبية، من خلال الخطب والمنشورات والفعاليات السياسية.
وبالتزامن مع ذلك، توسعت التغطية الإعلامية الأمريكية للأحداث في كوبا، لتتحول الأزمة تدريجيًا إلى قضية تحظى باهتمام الرأي العام داخل الولايات المتحدة.
الصحافة وصناعة الرأي العام
يربط العديد من الباحثين بين الحرب الإسبانية الأمريكية وصعود ما عُرف تاريخيًا بـ”الصحافة الصفراء”، وهي التسمية التي أطلقت على أسلوب صحفي اعتمد على العناوين المثيرة والتغطيات العاطفية بهدف جذب القراء.
وتنافس ناشرا الصحف البارزان وليام راندولف هيرست وجوزيف بوليتزر على تغطية الأحداث في كوبا، حيث امتلأت الصحف آنذاك بصور وتقارير ركزت على معاناة المدنيين والانتهاكات المنسوبة للقوات الإسبانية.
ويرى مؤرخون أن هذه التغطية أسهمت في رفع مستوى التعاطف الشعبي مع الثورة الكوبية، كما زادت الضغوط على الإدارة الأمريكية لاتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه إسبانيا، رغم استمرار الجدل الأكاديمي حول مدى تأثير الصحافة وحدها في قرار إعلان الحرب.
انفجار «يو إس إس مين» ونقطة التحول
جاء انفجار البارجة الأمريكية “يو إس إس مين” في ميناء هافانا عام 1898 ليشكل نقطة فاصلة في مسار الأحداث، إذ أدى الحادث إلى تصاعد الغضب داخل الولايات المتحدة، بينما سارعت وسائل إعلام إلى تحميل إسبانيا المسؤولية، رغم أن التحقيقات اللاحقة لم تحسم بشكل قاطع سبب الانفجار.
وأصبح شعار “تذكروا مين” أحد أبرز الشعارات التي رافقت الدعوات إلى التدخل العسكري، قبل أن تعلن واشنطن الحرب على إسبانيا في أبريل 1898.
وخلال أشهر قليلة انتهت الحرب بانتصار الولايات المتحدة، التي حصلت بموجب معاهدة باريس على نفوذ واسع خارج حدودها، شمل بورتوريكو وغوام والفلبين، بينما أصبحت كوبا تحت نفوذ أمريكي واسع رغم إعلان استقلالها لاحقًا.


