تحت عنوان عريض في ذا نيويورك تايمز، كشف تقرير موسع كتبه ستة من أبرز صحفيي الصحيفة عن كيفية تبلور قرار الرئيس الأميركي بخوض الحرب، ومتى انتقل من فكرة ضغط سياسي إلى خيار عسكري حاسم.
القصة، وفق السرد المنشور، لم تكن رد فعل انفعاليًا على تعثر مفاوضات، بل مسارًا تصاعديًا تداخلت فيه الحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وصولًا إلى لحظة إصدار الأمر النهائي على متن طائرة الرئاسة الأمريكية “إير فورس وان”.
سياسيًا، كانت الإدارة الأميركية تعيد رسم توازن الردع في المنطقة، واقتصاديًا، كانت أسواق الطاقة والتأمين البحري تتحسس أي شرارة قد تشعل أسعار النفط.
أما عسكريًا، كان البنتاغون أمام معادلة معقدة: حماية 40 ألف جندي في قواعد إقليمية، مع الاستعداد لضربة قد تفتح باب مواجهة أوسع.
ديسمبر 2025: البذرة الأولى في مار-أيه-لاغو
وفق التقرير، تعود اللحظة التأسيسية إلى لقاء في منتجع مار-أيه-لاغو بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
هناك طُرح طلب “الضوء الأخضر” لضرب مواقع صاروخية إيرانية خلال الأشهر التالية.
منذ ذلك اللقاء، بدأ التنسيق العسكري والاستخباراتي يأخذ طابعًا عمليًا، لم يعد الأمر مجرد تبادل آراء، بل تخطيطًا عملياتيًا أوليًا.
ويرى خبير في شؤون الأمن القومي بجامعة جورجتاون أن “مجرد الانتقال من المشاورة إلى التخطيط يعني أن القرار السياسي بالحرب أصبح خيارًا قائمًا، حتى لو لم يُحدد توقيته بعد”.
14 يناير 2026: تأجيل تكتيكي لا تراجع استراتيجي
طلب نتنياهو تأجيل أي ضربة حتى استكمال جاهزية الدفاعات الجوية الإسرائيلية.، وافق ترامب.
هذه الموافقة، كما تقول الصحيفة، لم تكن تراجعًا، بل إقرارًا بأن المسار العسكري قائم بانتظار اكتمال عناصره.

منتصف يناير.. فجوة الجاهزية الأميركية
في تلك المرحلة، لم يكن البنتاجون مستعدًا لحرب طويلة، لأنه لا حاملات طائرات في المنطقة، وهناك نقص في بطاريات الدفاع الجوي، وقوات منتشرة تحتاج تحصينًا، غير أن التخطيط تسارع، وبدأت أوامر الانتشار تصدر تباعًا.
خبير عسكري تحدث لـ Reuters وصف تلك المرحلة بأنها “الانتقال من الذهنية الدبلوماسية إلى الذهنية العملياتية”.
أواخر يناير.. الحشد الكبير والتفاوض الموازي
إرسال حاملتي طائرات وسفن دعم، ونشر مقاتلات وقاذفات وطائرات تزويد بالوقود، وتعزيز بطاريات الدفاع الجوي.
في الوقت نفسه، بدأت محادثات غير مباشرة مع طهران عبر مبعوثين مثل ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر.
هنا ظهر التناقض: تصعيد عسكري واسع بالتزامن مع مسار تفاوضي، وصحيفة فايننشال تايم، وصفت هذا الأسلوب بأنه “دبلوماسية مدعومة بمدافع بحرية”.
منتصف فبراير: سقف تفاوضي مستحيل؟
ماركو روبيو وزير الخرجية الامريكى، شكك علنًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق، والشرط الأميركي: “صفر تخصيب”.
وفق تحليل نشرته واشنطن بوست، فإن رفع سقف المطالب إلى هذا الحد جعل الاتفاق شبه مستحيل، ما أعطى الانطباع بأن المفاوضات لم تكن سوى محطة زمنية ريثما يكتمل الانتشار العسكري.
18 فبراير.. اجتماع الحسم في غرفة العمليات
عرض الجنرال دان كين، رئيس هيئة الاركان بالجيش الامريكى خيارين: الأول ضربة محدودة لتحسين شروط التفاوض، والثانى حملة واسعة قد تفضي إلى إسقاط النظام.
نائب الرئيس دجى فانس، قال: “إذا كان لا بد من الضرب، فلتكن كبيرة وسريعة” ، وقدّمت Central Intelligence Agency ( وكالة المخابرات المركزية) سيناريوهات ما بعد اغتيال المرشد.
هنا، بحسب التقرير، تحوّل الخيار العسكري من أداة ضغط إلى خيار حسم.
جنيف.. الجولة الأخيرة
في 27 فبراير، قدم الإيرانيون صيغة تخصيب متعددة المستويات، أصرّت واشنطن على “صفر تخصيب”، أبلغ ويتكوف وكوشنر ترامب أن الاتفاق غير ممكن.
يرى محللون أن تلك الجولة منحت واشنطن وقتًا إضافيًا لإكمال انتشارها العسكري.
1 مارس.. الأمر النهائي
على متن “إير فورس وان”، أعطى ترامب الإذن:
“Operation Epic Fury is approved. No aborts.” ( تمت الموافقة على عملية الغضب الملحمي. لا مجال للإلغاء)
بعد يوم، بدأت الضربة
2 مارس 2026: من قرار إلى حرب، ثم ضربة “قطع رأس” استهدفت القيادة العليا، ثم اغتيال المرشد الأعلى، وقصف مواقع عسكرية ونووية.
ردّت إيران، ما أدى إلى مقتل 6 جنود أميركيين وعشرات المدنيين الإيرانيين، وفق ما نقلته Associated Press اسوشايتد برس.
التشكيل كان فى ديسمبر
القرار الاستراتيجي بالحرب تشكّل في ديسمبر تحت ضغط إسرائيلي، ويناير كان شهر التحضير العسكري لا شهر التسوية، وفبراير شهد اكتمال ثلاثة عناصر: تشدد تفاوضي (صفر تخصيب)، وحشد عسكري مكتمل، واختراق استخباراتي وفر “فرصة ذهبية”.
الدبلوماسية لم تُلغَ، لكنها بدت مرحلة انتقالية بين قرارين: قرار الضربة، وقرار توقيتها.
باختصار، من مار-أيه-لاغو إلى جنيف إلى “إير فورس وان”، تحركت الإدارة الأميركية في خط تصاعدي واضح: ضغط سياسي، تعبئة عسكرية، تشدد تفاوضي، ثم استثمار فرصة استخباراتية.
وهكذا، تحولت الحرب من احتمال إلى أمر تنفيذي، في غضون تسعين يومًا فقط غيّرت مسار الإقليم بأكمله.
المصدر: من مقال ل: ( مارك مازيتي، جوليان إي. بارنز، تايلر بيجر، إدوارد وونغ، إريك شميت، ورونين برغمان ) أبرز صحفيين فى ذا نيويورك تايمز..


