مع اقتراب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من نهايتها بعد الإعلان عن تفاهم سياسي يمهد لوقف الأعمال العسكرية، يجد لبنان نفسه أمام حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية والاقتصادية والعمرانية، بعدما تحوّل إلى إحدى الساحات الرئيسية للصراع الإقليمي. فخلال أكثر من ثلاثة أشهر من المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، تعرضت مناطق واسعة من البلاد لقصف مكثف وعمليات عسكرية تركت آثاراً ستحتاج سنوات لمعالجتها.
الخسائر البشرية.. أرقام تتجاوز حرب 2024
تُعد الخسائر البشرية الجانب الأكثر إيلاماً في الحرب الأخيرة. فقد أسفرت العمليات العسكرية عن مقتل آلاف الأشخاص وإصابة أعداد كبيرة بجروح متفاوتة الخطورة، بينهم أطفال ونساء وعاملون في القطاع الصحي.
ويرى الباحث اللبناني في شؤون النزاعات الدكتور قاسم قصير أن “الحرب الحالية تجاوزت من حيث حجم الضحايا الكثير من المواجهات السابقة، لأنها جاءت في سياق إقليمي واسع جعل لبنان ساحة ضغط متبادلة بين أطراف دولية وإقليمية”.
ويضيف أن استمرار الضربات الجوية المكثفة واتساع نطاقها الجغرافي أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي ستكون له تداعيات اجتماعية ونفسية طويلة الأمد.
من جانبه، يشير الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد ناجي ملاعب إلى أن كثافة العمليات الجوية الإسرائيلية واستخدام أسلحة عالية التدمير في مناطق مأهولة بالسكان أسهما بشكل مباشر في ارتفاع عدد القتلى والجرحى، فضلاً عن تعقيد جهود الإنقاذ والإغاثة.
دمار واسع في الجنوب والضاحية
لم تقتصر آثار الحرب على الأرواح فقط، بل امتدت لتشمل البنية التحتية والممتلكات الخاصة والعامة. فقد تعرضت آلاف المنازل للتدمير أو الضرر الجزئي، فيما تضررت شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمرافق الصحية.
ويرى الخبير العمراني اللبناني جاد تابت أن حجم الدمار في بعض القرى الجنوبية يعيد إلى الأذهان مشاهد ما بعد حرب يوليو 2006، لكنه أكثر اتساعاً في بعض المناطق بسبب استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول.
ويؤكد أن إعادة الإعمار لن تكون عملية سريعة، خاصة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الدولة اللبنانية منذ سنوات، وضعف الموارد المتاحة لتمويل مشاريع إعادة البناء.
أما الباحثة في التخطيط الحضري الدكتورة منى فواز فتقول إن “المشكلة لا تتعلق فقط بإعادة بناء المنازل، بل بإعادة تأهيل المجتمعات المحلية والخدمات الأساسية التي تضررت بصورة كبيرة”.
موجة نزوح غير مسبوقة
واحدة من أبرز نتائج الحرب كانت حركة النزوح الواسعة التي شهدتها البلاد. فقد اضطر أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم نتيجة الغارات والتحذيرات العسكرية.
ويرى الباحث في شؤون الهجرة كريم بيطار أن لبنان واجه خلال الأشهر الماضية واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث، مشيراً إلى أن قدرة الدولة والمؤسسات المحلية على استيعاب هذا العدد الكبير من النازحين كانت محدودة للغاية.
ويضيف أن آلاف الأسر وجدت نفسها مضطرة للعيش في مدارس ومراكز إيواء مؤقتة أو لدى أقاربها، الأمر الذي فرض ضغوطاً اجتماعية واقتصادية إضافية على المجتمعات المضيفة.
كما يحذر بيطار من أن عودة النازحين قد تستغرق وقتاً طويلاً بسبب حجم الدمار وانعدام اليقين بشأن استقرار الأوضاع الأمنية.
الاقتصاد اللبناني.. ضربة جديدة فوق أزمات متراكمة
جاءت الحرب في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية تُعد من الأسوأ في تاريخه الحديث. ولذلك فإن آثارها الاقتصادية تبدو أكثر خطورة مقارنة بدول أخرى تمتلك هوامش مالية أكبر.
ويقول وزير الاقتصاد السابق والخبير المالي رائد خوري إن الحرب الأخيرة وجهت ضربة مباشرة لقطاعات الإنتاج والاستثمار والسياحة، التي كانت تعوّل عليها الحكومة لتحقيق أي نمو اقتصادي خلال عام 2026.
ويضيف أن توقف الأنشطة التجارية في العديد من المناطق وتراجع حركة النقل والشحن وتضرر المؤسسات الخاصة أدى إلى خسائر بمئات الملايين من الدولارات.
أما الخبير الاقتصادي نسيب غبريل فيرى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في حجم الأضرار المباشرة فقط، بل في تأثيرها على ثقة المستثمرين والأسواق المالية، موضحاً أن أي عملية تعافٍ اقتصادي تحتاج أولاً إلى استقرار أمني وسياسي مستدام.
ويشير إلى أن استمرار المخاوف الأمنية قد يؤدي إلى تأجيل مشاريع استثمارية كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب.
القطاع الصحي تحت الضغط
كان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً خلال الحرب. فقد تعرضت بعض المرافق الطبية لأضرار مباشرة، بينما واجهت المستشفيات ضغطاً هائلاً نتيجة الأعداد الكبيرة من المصابين.
وتقول الدكتورة غادة السمان، المتخصصة في إدارة الأزمات الصحية، إن المستشفيات اللبنانية تعمل أساساً في ظروف صعبة بسبب الأزمة الاقتصادية ونقص التمويل، وجاءت الحرب لتضاعف حجم التحديات.
وتوضح أن العديد من المراكز الصحية استنزفت مخزونها من الأدوية والمستلزمات الطبية خلال أسابيع قليلة، ما اضطرها إلى الاعتماد بشكل متزايد على المساعدات الدولية.
تداعيات سياسية وأمنية طويلة الأمد
سياسياً، يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور خالد حمادة أن الحرب الأخيرة ستترك أثراً عميقاً على المشهد اللبناني الداخلي، خاصة فيما يتعلق بالنقاش الدائر حول دور حزب الله وعلاقته بالتطورات الإقليمية.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً دولية وإقليمية لإعادة ترتيب الوضع الأمني في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع جهود تثبيت أي تفاهمات إقليمية بين واشنطن وطهران.
أما المحلل السياسي قاسم قصير فيعتقد أن التفاهم الأمريكي الإيراني قد يفتح الباب أمام مرحلة تهدئة أوسع في المنطقة، ما قد يمنح لبنان فرصة لالتقاط الأنفاس وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
إعادة الإعمار.. تحدٍ يفوق قدرات الدولة
يتفق معظم الخبراء على أن عملية إعادة الإعمار ستكون الاختبار الأكبر للبنان خلال السنوات المقبلة. فالدولة تعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة، بينما تتطلب إعادة بناء المناطق المتضررة مليارات الدولارات.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي أن نجاح عملية الإعمار سيعتمد بشكل كبير على حجم المساعدات الدولية والعربية التي يمكن حشدها خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد أن لبنان بحاجة إلى خطة متكاملة لا تقتصر على إعادة بناء المباني المهدمة، بل تشمل إصلاح البنية التحتية وتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة.
كما يشدد على ضرورة ربط أي مساعدات خارجية بإصلاحات اقتصادية وإدارية تضمن استخدام الأموال بكفاءة وشفافية.
مستقبل ما بعد الحرب
رغم الإعلان عن تفاهم أمريكي إيراني يمهد لإنهاء الأعمال العسكرية، فإن لبنان يواجه مرحلة شديدة التعقيد. فالخسائر البشرية الكبيرة والدمار الواسع والنزوح الجماعي والانكماش الاقتصادي تمثل تحديات هائلة تتطلب جهوداً محلية ودولية متضافرة.
ويرى العديد من المراقبين أن نجاح لبنان في تجاوز هذه المرحلة لن يعتمد فقط على وقف إطلاق النار، بل على قدرته في تحويل الهدنة إلى استقرار دائم يمنع تكرار الحروب المتعاقبة التي استنزفت موارده وأعاقت تنميته لعقود.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الطريق نحو التعافي سيكون طويلاً ومكلفاً، لكن كثيرين يأملون أن يشكل انتهاء المواجهة الإقليمية فرصة لفتح صفحة جديدة تمنح اللبنانيين أملاً بالخروج من دوامة الأزمات والحروب المتكررة.


