أثبتت التطورات الميدانية الأخيرة في الشرق الأوسط أن الاعتماد الحصري على الآلة العسكرية العمياء عاجز عن صياغة واقع سياسي مستدام في بيئة معقدة كالعقيدة اللبنانية.
ورصد التحليل الإستراتيجي الصادر عن مراكز الأبحاث الأوروبية مؤخراً هذه المعضلة البنيوية، مؤكداً أن جذور قوة الفصائل المسلحة لا تنبع فقط من ترسانتها الصاروخية، بل من التآكل الهيكلي لمؤسسات الدولة الرسمية، مما يجعل أي انتصار عملياتي مؤقت مجرد محطة عابرة في حرب استنزاف ممتدة لا أفق لنهايتها.
اتفاق واشنطن
ويشرح التحليل : ” تجسدت المعضلة السياسية بوضوح عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في واشنطن برعاية دولية بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، والذي نص على نشر الجيش اللبناني في مناطق تجريبية”.
غير أن استبعاد حزب الله من كواليس التفاوض دفع أمينه العام نعيم قاسم لرفضه فوراً واصفاً إياه بخارطة طريق للإبادة، ليتواصل القصف اليومي مبرهناً على أن التفاوض مع الدولة الشكليّة لا يلغي واقع المعركة مع القوات التي ترى نفسها ممثلاً حقيقياً للأرض.
فراغ المؤسسات الشامل
ينطلق الباحثون من فرضية تفيد بأن فهم ظاهرة الحزب يبدأ من تشريح عجز الدولة اللبنانية التي تحولت لكيان رمزي تختبئ خلفه ولاءات طائفية وشبكات محسوبية فاسدة.
وتعجز الدولة بالكامل عن جباية الضرائب أو توفير الطاقة والخدمات، لا سيما بعد إفلاسها المالي الذي قلص ميزانيتها السنوية دون خمسة مليارات دولار ودفع ديونها لتجاوز مائة وأربعين بالمئة من الناتج المحلي.
شبكات التكافل الاجتماعي
وفي قلب هذا الفراغ المؤسسي الممتد، نجح الحزب في بناء شبكة أمان موازية وفرت المستشفيات والمدارس والمعونات لفئات واسعة من السكان الشيعة، مما حول هذا الحضور الخدمي من مجرد بروباغندا سياسية وعقائدية إلى واقع معيشي يومي تغلغل في وجدان البيئة الحاضنة.
التفوق العملياتى
على الصعيد العسكري، يظهر جيش الاحتلال الإسرائيلي تفوقاً تكنولوجياً وعملياتياً عبر عمليات الاغتيال الممنهجة لقادة الحزب وتدمير البنى التحتية ومستودعات السلاح، لكن هذا التميز الميداني يفتقر تماماً لأفق إستراتيجي واضح، إذ إن كسر القوة العسكرية لا يعني إنهاء القاعدة الاجتماعية.
عقدة الحسم العسكري المستحيل
أثبتت التجربة الميدانية قدرة للحزب على التكيف الذاتي والترميم السريع لصفوفه رغم الضربات الموجعة التي تلقتها مفاصله القيادية.
وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى امتلاك ذلك الحزب قوة تعبئة بشرية تتراوح بين خمسة وعشرين وثلاثين ألف مقاتل على أهبة الاستعداد، مما يجعل فكرة الحسم العسكري الدائم أو الاجتثاث الكلي سلعة يسوقها الصهاينة.
حتمية بناء الدولة
يخلص المطبخ التحليلي إلى أن السلاح لن يجلب الطمأنينة لجنوب لبنان، وأن تفكيك هذا الحزب لن يحدث إلا عندما تنهض الدولة اللبنانية كبديل حقيقي يضمن الأمن، ويعاقب الفساد، ويحترم كرامة مواطنيه؛ فكل غارة جوية تدميرية وكل عائلة تفقد بيتها لا تفعل شيئاً سوى منح الدليل والبرهان لخطاب المقاومة الذي يرفع شعار “نحن وحيدون نحميكم”.
عقيدة الصمود
تؤكد تحليلات المراقبين الراهنة أن الرهان على سحق الحركات المتجذرة شعبياً بالقوة الغاشمة هو خطأ إستراتيجي فادح يعيد إنتاج الدوامة نفسها؛ فالمواجهة الحقيقية ليست معركة جنود ومواقع بل هي صراع على كسب ثقة الحاضنة الشعبية.
وطالما بقيت مؤسسات بيروت عاجزة عن تقديم بديل وطني مقنع، ستبقى جبهة الجنوب مشتعلة بأمر الجغرافيا السياسية، ويبقى قرار السلم والحرب معلقاً بين عواصم القرار الإقليمي على حساب سيادة واستقرار لبنان.


