عندما يحصل الفقير المحتاج على مال يساعده على قهر الفقر فإنه يبتهج بالتأكيد، ولكنْ أيُّ الاثنين أكثرُ سعادةً يا ترى: الذي قدم المال أم الذي أخذ المال؟ من تفرّجَت كربته أم من كان سبباً في تفريج الكربة؟
أو بتعبير آخر: هل الأخذ أمتع أم العطاء؟
مهما بدا الأخذ لذيذاً فإنه لا يبلغ معشارَ لذة العطاء، وإنها لواحدة من أكبر لَذاذات الحياة، لذة لا يعرفها إلا المجرّبون. وهي -لحسن الحظ- لذة يستطيع أن ينالها كل واحد، لأن العطاء صُوَر وأشكال لا حصرَ لها، تبدأ ببذل المال للفقراء والمحتاجين وتنتهي بابتسامة في وجه إنسان حزين.
وبين هذا وهذه يقع كل عمل من شأنه أن يُدخل البهجةَ على قلب إنسان أو يفكّ كربة مكروب. وليس شرطاً أن يكون الكرب دَيناً بالملايين، فإن الناس لا يسعهم إلا خالق الناس، وإننا نستطيع تفريج مئات من الكُرَب الصغيرة لمئات الناس دون أن ندفع ليرة.
إذا كنت تقود سيارتك فامنح حق المرور لسيارة آتية عن يمين الطريق ولم يسمح لها بالمرور عشرون سائقاً مرّوا أمامها قبلك. إذا كنت جالساً في الحافلة ودخل إليها شيخ لا يقوى على الوقوف فقف وامنحه مقعدك. إذا وقفت على محاسب المتجر (السوبرماركت) ومعك عربة مملوءة بالمشتريات ووراءك رجل يحمل كيسَ خبز فقدمه أمامك. إذا رأيت تائهاً حائراً ضَلّ طريقه فأرشده إلى الطريق. إذا اقترض منك صديقٌ مالاً لأجل وعلمت أنه ما زال في ضيق فمُدّ له بالأجل حتى ينفرج حاله ويذهب عنه الضيق…
في كل الأحوال سيشكرك من أحسنتَ إليه بكلمة أو بابتسامة رضا، ولكنْ لو تأملتَ ستجد أنه هو الذي أحسن إليك حين منحك فرصة لاكتساب الثواب وفرصة للشعور بالرضا عن الذات.
فيا أيها الكرام: اجتهدوا أن لا يخلو يومٌ من أيامكم من عطاء وإحسان. جربوا هذه المتعة مرة ولن تتركوها بعد ذلك أبداً، وأخلصوا النية لله تفوزوا بالحسنيَين: متعة العطاء في الدنيا وأجر العطاء في الآخرة.
وشكراً للذين يمنحوننا الفرصة للإحسان.


