وردت عليّ – بعد منشوري الأخير- أسئلة عن الكتب، فسألني أخ فاضل عن كتاب “الكامل في التاريخ” الذي ظهر في الصورة: هل أوصي به لمحبّي القراءة في التاريخ الإسلامي؟ وسألني آخر عن أفضل طريقة لترتيب مكتبته الخاصة؟ وتساءل أكثر من شخص عن مكتبة جدي علي الطنطاوي رحمه الله؟
وسوف أجيب عن هذه الأسئلة تباعاً في هذا المنشور وفي منشورات لاحقة -إن شاء الله- حتى لا أثقل وأطيل على القراء الكرام.
كتاب “الكامل في التاريخ” من أفضل المراجع التاريخية عندي، وأنا أفضّله على الطبري وابن كثير وسواهما من “الحَوليّات” القديمة، وقد قرأت بعض مجلداته وأنا في الصف العاشر واستخرجت منها أبحاثاً عن حركة القرامطة وحركة الزِّنج ما تزال محفوظة عندي إلى اليوم. وأفضل طبعاته (فيما أعلم) هي طبعة دار صادر التي اعتمدَت على أول طبعة للكتاب، وهي الطبعة التي أصدرها المستشرق السويدي تورنبيرغ وطُبعت في ليدن (1851-1870).
ويعتبر “الكامل” من أهم المراجع التاريخية التي تغطي القرون الهجرية الستة الأولى، وهو مصدر رئيسي لأخبار صلاح الدين الأيوبي والحروب الصليبية لأنه عايشها ولم ينقلها عن غيره، ولعل هذا هو مبدأ اهتمام المستشرقين بهذا التاريخ الكبير.
على أنني لو استنصحني قارئ يريد استيعاب التاريخ الإسلامي على الإجمال فلن أنصحه بالكامل بل بتاريخ ابن خلدون، فابن الأثير كثير الإسهاب، وهو يمثل “المدرسة الحَوليّة” في التدوين التاريخي تمثيلاً أميناً، فيبسط حوادث كل سنة من السنين ثم ينتقل إلى السنة التي بعدها ثم التي بعدها، وهذا المنهج يتسبب في تشظية الحادثة التاريخية وتفتيتها بين السنين بدلاً من جمعها في رابط موضوعي واحد كما تصنع الكتابات التاريخية المعاصرة.
أما ابن خلدون فإنه أقل إخلاصاً لهذه المدرسة وأقل إسهاباً في التفاصيل التاريخية، لذلك أراه أفضل للقارئ غير المختص الذي يحتاج إلى اطلاع سريع على الحوادث التاريخية دون الغوص في تفصيلاتها الدقيقة. هذا فضلاً عن أن ابن الأثير يقف في تاريخه عند سنة 628 هجرية (أي قبل وفاته بعامين) فيما يصل ابن خلدون إلى أوائل القرن التاسع. والفرق الأخير بينهما أن تغطية تاريخ الدول الإسلامية في المغرب محدودة عند ابن الأثير، في حين أن ابن خلدون يتوسع فيها بحكم النشأة والانتماء.


