كنا ونحن صغار نكلَّف بوظائف شتى، بعضها مما يعرفه أولاد اليوم وبعضها مما لا يعرفون. فمن هذه الوظائف تلك التي نضع فيها أمامنا طبقاً كبيراً ممتلئاً بحبّات العدس ثم نصرف ساعة أو نحوها في “تنقيته”، أي فرز حبّات العدس من الحجارة الصغيرة التي تختلط بها، وهي كلها من حجم واحد وألوان متقاربة، لذلك لم تكن هذه وظيفة محبَّبة في ذلك الوقت.
ثم دار الزمان دورته فصرنا نذهب إلى المتاجر ونشتري منها العدس المُنَقّى مغلفاً في أكياس أنيقة نظيفة، ورحم الله تلك الأيام.
المهم ليس ما كنا نصنعه في هذه العملية، بل فيما يأتي بعدها. ماذا كانت أمهاتنا يَصنعنَ بعد أن نفرز محتويات الطبق في كَوْمتين: كومة كبيرة من العدس وأخرى صغيرة من الحَصَى؟ الجواب سهل: كان مصير كومة الحَصَى إلى حاوية الزُّبالة وكومة العدس إلى آنية الطبخ.
فماذا ستقولون لو أن أحداً من الناس رمى العدس في الحاوية وطبخ الحجارة وأكلها؟
هذا ليس من أعمال العقلاء قطعاً، لا يختلف في هذه النتيجة اثنان، فهل تصدقون لو قلت لكم أن هذا هو ما يصنعه كثير من الناس؟
هذا هو تماماً ما يصنعه أولئك الذين يقلّبون دفاتر الأيام ليَنْتَقوا منها كل مشهد مزعج أو ذكرى مؤلمة؛ يمرّون بمئة صورة جميلة فيقفزون من فوقها، فإذا وصلوا إلى الصورة البشعة أخذوها وكبّروها وأطّروها وعلقوها على جدران قلوبهم. يتناسَون ذكريات الفرح ويتشبثون بذكريات الأسى والألم. يجتهدون في جمع الأحزان على قلّتها، ويزهدون في الأفراح على وَفْرتها، فيجتمع لهم ألبومٌ عجيب ما فيه إلا كل مؤلم موجع من المشاهد والذكريات، ولو شاؤوا لجمعوا في مقابله مئة من ألبومات السعادة والأفراح، ولكنهم لا يصنعون!
لقد عشت دهراً فتعلمت أن الحياة فيها أفراح وفيها أتراح، وفيها أيام حلوة وأيام مرّة، ولكن الله -من رحمته بنا- جعل الفرح في حياتنا أكثر من الترح، والسعادة أعمَّ من الشقاء.
فمَن كانت نفسُه نزّاعةً إلى رؤية الرُّبع الفارغ من الكأس فليبدأ منذ اليوم بتدريب نفسه على رؤية الثلاثة الأرباع الملآنة، ومَن جمع ألبومات من الأحزان فليضرم اليومَ فيها النار، وهيا ابدؤوا بجمع الصور الحلوة وعلقوها على جدران القلوب.
منذ اليوم: كلوا العدس، وأعيدوا حجارة الأرض إلى الأرض.


