السؤال عن الشرّ واحد من الأسئلة المبكرة التي طرحها الذهن البشري منذ استوطن آدمُ وذريته هذا الكوكبَ المليء بالشرور، وهو سؤال اشتغل به الفلاسفة منذ ثلاثة آلاف عام ولم يجدوا له جواباً كاملاً إلى اليوم، ولا يبدو أنهم سيجدون. لماذا؟ لأنهم يبحثون في المكان الخطأ. إنه سؤال كان ينبغي على الفلسفة رد النظر فيه “لعدم الاختصاص”، لأن جوابه يوجد في عالم آخر غير عالمها، إنه عالم الدين.
إن الكون مليء بالشرور، نعم، والله قادر عن منعها وتخليص الكون منها، أليس كذلك؟ بلى. لماذا لم يفعل؟ ألأنه لا يستطيع؟ معاذ الله، لا يكون إلهاً قادراً إذن، وهو إله قادر. ألأنه يحب الشر؟ معاذ الله، لا يكون إلهاً عادلاً رحيماً إذن، وهو إله عادل رحيم. لماذا إذن؟ لقد أرسل إلينا كتاباً أجاب فيه عن هذا السؤال وعن غيره من الأسئلة الوجودية الكبرى، فاقرؤوه إن كنتم ترغبون في معرفة الجواب.
قال تعالى في كتابه العزيز: {ونبلوكم بالشر والخير فتنةً، وإلينا تُرجَعون}.
هذه هي العلّة وهذا سبب وجود الشر في الدنيا: إنه فتنة، ابتلاء، امتحان، لأن الدنيا -بالتعريف- هي دار امتحان، فلو خلت من الامتحان لم تكن دنيا أصلاً. إنه امتحان يُمتحَن به في الدنيا الناس جميعاً، فمَن آمن وصبر نجح ونجا، ومن تسخّط وكفر كان من الخاسرين. قال الطبري في التفسير: “نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون وكيف صبرهم فيما يكرهون، ثم إلى ربهم يُرَدّون فيجازَون بأعمالهم حسنها وسيّئها أجمعين”.
*****
لو شاء الله أن يخلق عالماً بلا شر لفعل، ولكن أين الاختبار؟ إن الحياة القصيرة التي نحياها في الدنيا هي إعدادٌ لما بعدها من حياة طويلة خالدة، حياة ممتدة من الشقاء أو حياة ممتدة من النعيم، فكيف يُعرف مَن يستحق الشقاء ومن يستحق النعيم؟ ثم إن النعيم درجات وطبقات، فكيف يُفرَز الناس وكيف يوزَّعون بين الدرجات والطبقات؟ إنها كالشهادة التي يحملها المرء بعد امتحان الثانوية العامة، فمَن حاز الدرجات العُلى دخل أفضل الكليات وعمل من بعدها في أفضل المهن وأكثرها دخلاً ووجاهة، وكلما قلّت درجته في الاختبار هبطت درجته في الكلية والوظيفة، حتى نصل إلى أقل الدرجات وأدنى الطبقات.
هذا هو السر، فمَن أدركه كان الشر خيراً له ومن لم يدركه كان الخير شراً عليه. إن الحياة كلها امتحان بخيرها وشرها وهي مقدّمة لما بعدها، وما بعدَها هو >الحيوان<، الحياة الطويلة الخالدة التي لا نهاية لها ولا زوال؛ قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم}، وقال: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وللدار الآخرة خيرٌ للذين يتقون، أفلا تعقلون؟}، وقال: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحَيَوان لو كانوا يعلمون}.
اللهم اجعلنا من الذين يعقلون ويعلمون فيعملون ويصبرون ويشكرون، اللهمّ اجعلنا من الناجين الفائزين في دار النعيم.


