بعدما نشرت عن رأي جدي الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- في الاحتفال بالمولد سألني غيرُ واحد باستغراب: ألم يكن الشيخ سلفياً؟ فكيف يكون له مثل هذا الرأي المتسامح في مسألة يتشدد فيها السلفيون؟
فهل كان الشيخ سلفياً حقاً؟ الجواب هو «نعم ولا»، ولأنه جواب غير مفيد (إذ يجمع النقيضين) فلا بد من تفصيل.
لو طُلب مني أن أصف انتماء علي الطنطاوي ومدرسته لقلت: “لقد كان أمّة وحده”. لا أقصد أنه خيرٌ من علماء القرون الماضية وأعلم، بل أقصد أنه لم يكن تابعاً لهذا ولا لذاك من أفراد العلماء، ولا كان ليسمح لعقله وإرادته أن يذوبا وينصهرا في هذه المدرسة أو تلك، لا السلفية ولا الصوفية ولا المذهبية ولا غير المذهبية، فكان يوافق ويفارق ويأتلف ويختلف، ويمشي مع الصواب الذي يظهر له بعدَ النظر والبحث والتدقيق العميق.
هذا المنهج المستقل حماه من الاتّباع المطلق، ومن عيب آخر ينشأ عنه: التطرف والحِدّة في الموافقة أو المخالفة. فهو يوافق باعتدال ويخالف باعتدال، فكان أن اتفق مع السلفية في مسائل ولم يتعصب لها، وخالفها في مسائل ولم يتعصب ضدها، واتفق مع الصوفية السلوكية في مسائل ولم يتعصب لها، واختلف معها في مسائل ولم يتعصب ضدها، واتفق مع المذهب الحنفي حيناً والشافعي أو الحنبلي أو المالكي أحياناً واختلف معها في أحيان أخرى، وفي الحالات كلها لم يتعصب لها ولم يتعصب عليها. وهذا تراثه الطويل العريض شاهدٌ على هذه الخصلة العجيبة الحميدة فيه، رحمه الله.
ثم إن أهم المسائل التي تدور حولها معظم أدبيات المدارس السلفية المختلفة هي “الأسماء والصفات”، ونسبة علي الطنطاوي إلى السلفية (على إطلاقها) توحي بأنه ذهب مذهبها في الأسماء والصفات، وليس الأمر كذلك، وقد أوضح موقفه من هذه المسألة في كتاب “تعريف عام بدين الإسلام” الذي بقي يعتبره -حتى آخر عمره- كتابَه الأثير الذي يقبل أن يتخلى في سبيله عن نصف كتبه، ومن قرأ ما كتبه فيه يجد أنه كان يرى التفويض وينكر على الذين يُغالون في الإثبات حتى لَيَكادون يقاربون التشبيه.
ولعل نسبته إلى السلفية جاءت من دعوته إلى نبذ البدع وانتقاده الصريح لما في بعض الطرق الصوفية من شطط وخرافات، مع تأثره الواضح بشيخه محمد بهجة البيطار وبخاله محب الدين الخطيب. فإن كان ولا بد من نسبة الشيخ إلى السلفية فأرى أن يُنسَب إلى “السلفية الشامية”، وهي تسمية موفقة شاعت مؤخراً لوصف المنهج الذي كان عليه رواد السلفية في الشام، كمحمد رشيد رضا وجمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري ومحمد بهجة البيطار. رحم الله الجميع.


