شهدت العاصمة الفرنسية باريس ختام مباحثات ماراثونية واجتماعات بالغة الحساسية لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع (G7)، خلصت إلى اعتراف جماعي صريح بحتمية التحرك العاجل لمعالجة الاختلالات الهيكلية والتجارية العميقة التي تضرب مفاصل الاقتصاد العالمي المتشظي.
وأجمع قادة المال في الحلف الغربي على أن النمط الراهن للنظام المالي الدولي بات غير قابل للاستدامة ولن يدوم طويلاً، نتيجة الانقسامات الجيوسياسية الحادة والتقلبات العنيفة التي تضرب أسواق السندات العالمية.
وذكرت”رويترز”، بعد نجاح المجموعة في صياغة لغة توافقية مشتركة حيال قواسم خلافية معقدة، ان المجتمعون اطلقوا دعوة استراتيجية حازمة لإعادة فتح مضيق هرمز بشكل فوري وتخفيف الخناق المالي والعسكري عن سلاسل إمداد الطاقة والغذاء والأسمدة التي باتت تهدد الأمن القومي لضفتي الأطلسي.
معادلة التشويه
وفكك وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، رولان ليسكور، الذي ترأست بلاده الدورة الحالية للمجموعة، طبيعة تلك التشوهات القاتلة؛ مشيراً إلى معضلة ثلاثية الأبعاد تتلخص في التراجع الحاد لمعدلات الاستهلاك المحلي داخل الصين، مقابل الإفراط الاستهلاكي الهائل في الولايات المتحدة، وضآلة الاستثمارات البنيوية في القارة الأوروبية.
وتقاطعت هذه الرؤية مع هجوم تكنولوجي وجمركي شرس قاده وزير الخزانة الأمريكي الجديد، سكوت بيسنت، الذي كشف في مقابلة صحفية عقب الاجتماع عن تحذيرات غاضبة وجهها لنظرائه الأوروبيين بضرورة تدشين مصدات جمركية وإجراءات حمائية عاجلة لوقف التدفق الطوفاني للصادرات والفوائض الصينية التي تستهدف إغراق واغتيال الصناعات التنافسية في أوروبا.
ودعا بيسنت العواصم الأوروبية إلى تفعيل العقوبات المالية المشددة ضد النظام المصرفي الإيراني، مطالباً الحلفاء الآسيويين بالتصدي الحازم لـ”أسطول الظل” التابع لامتيازات الشحن الإيرانية ووقف عمليات نقل النفط غير القانونية بين الناقلات في البحار المفتوحة.
حول طهران وموسكو
وكشفت كواليس الاجتماعات الباريسية عن تباينات حادة واستياء أوروبي مكتوم من انفراد واشنطن وتل أبيب بشن ضربات وعمليات عسكرية ضد طهران دون أدنى مراعاة للتداعيات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط، رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب مؤخراً عن تعليق هجوم واسع النطاق عقب تلقيه مقترح سلام إيراني.
وامتد الانقسام الغربي ليرسم ملامح التوتر داخل المجموعة إثر قرار الإدارة الأمريكية المفاجئ بتمديد الإعفاء من العقوبات لمدة 30 يوماً إضافية للسماح بشراء النفط الروسي المنقول بحراً لمساعدة الدول الحليفة المعرضة لشلل الطاقة؛ وهو ما اعتبره مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس دليلاً دامغاً على غياب الإجماع الكلي.
وأمام الهيمنة الاحتكارية المطلقة لبكين على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة والمعادن الاستراتيجية اللازمة لصناعة السيارات الكهربائية والأنظمة الدفاعية المتطورة، تعهد الوزراء بتعميق التنسيق لبناء مخزونات احتياطية وتحديد حد أدنى للأسعار لمنع التنين الصيني من تقويض وإفشال مشروعات التعدين البديلة.
صراع السيادة
أن مجموعة السبع باتت تدرك عجزها البنيوي عن إدارة الاقتصاد العالمي عبر الأدوات التقليدية للعولمة التي صاغتها بنفسها في العقود الماضية.
إن لجوء واشنطن لإعفاء النفط الروسي مؤقتاً لتأمين حلفائها، بالتوازي مع مطالبتهم بشن حرب جمركية ضد الصين وحصار مالي ضد إيران، يبرهن على أن البراغماتية الأمريكية باتت تتقدم على المبادئ السياسية للحلفاء، مما يضع التماسك الأوروبي في مهب رياح ركود تضخمي وشيك.
ويتضح أن عجز مجموعة السبع ومجموعة العشرين عن صياغة حلول ملموسة للاختلالات التجارية وهيكل الاستهلاك العالمي يؤشر على أن المنظومة المالية الدولية تتجه نحو نظام التكتلات المغلقة وحروب العملات والموارد، لتسقط معها الأحادية القطبية لصالح ولادة نظام دولي جديد متبدل الملامح ومتعدد الأقطاب.
رويترز- وكالات


