لم يكن الفقه الإسلامي يومًا علمًا معزولًا عن حركة الحياة؛ بل كان اجتهادًا يتنفس أسئلة الناس، ويبحث لكل نازلة عن حكمها في ضوء النص وأصول الاستنباط.
ومن هذا الأفق يبرز كتاب «مجموعة رسائل بييري زاده في الفقه الحنفي وفتاواه»، بوصفه سجلًا علميًا يكشف جانبًا من حيوية المدرسة الحنفية وقدرتها على التعامل مع الوقائع المتغيرة بعلمٍ منضبط، لا بجمود النص ولا بانفلات التأويل.
بييري زاده.. فقيه من أعلام الحنفية
هو إبراهيم بن حسين بن أحمد المكي الحنفي، المعروف ببييري زاده، أحد علماء المدرسة الحنفية في القرن الثاني عشر الهجري. نشأ في مكة المكرمة في بيئة علمية، وتلقى علوم الشريعة، وبرع في الفقه وأصوله، مع عناية بالحديث واللغة، حتى عُرف بقدرته على النظر في المسائل الفقهية واستنباط أحكامها.
ويكشف ما بقي من آثاره عن فقيه يجمع بين الرواية والدراية، ويستند إلى أصول المذهب الحنفي في معالجة القضايا التي عرضت له، بما يعكس مكانة الفتوى في الحياة العلمية والاجتماعية في عصره.
وتوفي بييري زاده سنة 1194هـ/1780م، تاركًا تراثًا فقهيًا يمثل حلقة من حلقات تطور الاجتهاد الحنفي وتفاعله مع واقع الناس.
كتاب ليس رسالة واحدة.. بل سجل لنوازل عصره
لا يضم الكتاب بحثًا فقهيًا واحدًا متصلًا، وإنما يجمع عددًا من الرسائل والفتاوى التي تتناول مسائل متنوعة في أبواب الشريعة، ولا سيما العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والنوازل.
وتكتسب هذه الرسائل قيمتها من كونها لا تكتفي بعرض الحكم، وإنما تكشف طريقة الفقيه في الوصول إليه؛ من خلال الاستناد إلى النصوص، واستحضار أقوال علماء المذهب، والنظر في اختلاف الأحوال والوقائع.
ومن هنا يتحول الكتاب من مجرد مجموعة فتاوى إلى نافذة على العقل الفقهي في عصره، وعلى طبيعة الأسئلة التي كانت تشغل المجتمع آنذاك.
من الطهارة والصلاة إلى البيوع والطلاق
تتنوع موضوعات الرسائل بين مسائل العبادات، كأحكام الطهارة والنجاسة والصلاة والأعذار المتعلقة بها، ومسائل المعاملات التي تكشف عناية الفقهاء بضبط العلاقات المالية وحماية التعامل من صور الغرر والربا والمخالفات الشرعية.
كما تمتد إلى الأحوال الشخصية، وما يتصل بالطلاق والخلع والنفقة وحقوق الزوجين، فضلًا عن مسائل أخرى فرضتها الحياة اليومية، فكانت محل سؤال وفتوى.
وتكشف هذه الموضوعات أن الفقه لم يكن مجرد منظومة نظرية، وإنما كان حاضرًا في تفاصيل حياة المجتمع، من العبادة إلى السوق، ومن الأسرة إلى المعاملات.
النوازل.. حيث يختبر الفقه قدرته على مواكبة الواقع
من أبرز ما يمنح الكتاب أهميته تناوله للنوازل، وهي الوقائع التي لم تكن أحكامها دائمًا حاضرة بصورة مباشرة في كتب الفقه السابقة، مما يفرض على الفقيه استحضار أصول المذهب وقواعده للوصول إلى الحكم المناسب.
وتكشف هذه المسائل عن طبيعة الاجتهاد الحنفي في التعامل مع المتغيرات؛ فالفقيه لا يبدأ من فراغ، ولا يكتفي بترديد حكم سابق، وإنما يحاول فهم الواقعة أولًا، ثم تنزيل القواعد الشرعية عليها.
أهمية الكتاب في دراسة تاريخ الفتوى
تكمن أهمية «مجموعة رسائل بييري زاده» في أكثر من مستوى؛ فهو يحفظ جانبًا من الفتاوى الفقهية التي تعكس الحياة العلمية والاجتماعية في القرن الثاني عشر الهجري، ويقدم نموذجًا عمليًا لكيفية انتقال الفقه من قواعده النظرية إلى معالجة الوقائع.
كما يمثل مادة مهمة للباحثين في تاريخ المذهب الحنفي، والفقه المقارن، وتطور صناعة الفتوى، لأنه يكشف عن آليات الاستدلال والترجيح، وطريقة التعامل مع اختلاف الأقوال والوقائع.
فقه الأمس وأسئلة اليوم
ورغم الفارق الكبير بين زمن بييري زاده وعصرنا، فإن بعض القضايا التي شغلت الفقهاء قديمًا تعود اليوم في صور جديدة.
فمسائل النقود والمعاملات والبيع قبل القبض، على سبيل المثال، تفتح أبوابًا للمقارنة مع المعاملات الإلكترونية والأسواق الحديثة والتجارة عبر الإنترنت.
ولا تعني المقارنة أن المسائل القديمة والجديدة واحدة في الحكم أو الصورة، وإنما تكشف عن استمرار الحاجة إلى المنهج الفقهي القادر على فهم الواقعة، ثم ردها إلى أصولها وقواعدها، بدل الاكتفاء بإسقاط أحكام الماضي على وقائع لم تكن موجودة في ذلك الزمن.
تحقيق التراث وإعادته إلى دائرة القراءة
اكتسب الكتاب قيمة إضافية من جهود التحقيق التي بذلها حسن آذر ومصطفى آقش، إذ أسهما في إخراج النصوص الفقهية في صورة أقرب إلى الباحث والقارئ المعاصر، مع العناية بالنص وضبطه والتعريف بما يحتاج إليه من إيضاح.
وتأتي أهمية هذا العمل في أن المخطوط الفقهي لا يكتمل حضوره بمجرد إخراجه من خزائن التراث، وإنما يحتاج إلى تحقيق علمي يحفظ نصه ويجعله قابلًا للدراسة والمقارنة والاستفادة.
الفتوى علمٌ ومسؤولية
تتجاوز قيمة «مجموعة رسائل بييري زاده» حدود الموروث الفقهي؛ فهي تذكير بأن الفتوى كانت علمًا له أصوله، ومسؤولية لها شروطها، وأن الاجتهاد الحقيقي لا يقوم على الانطباع أو التسرع، وإنما على رسوخ العلم وفهم النص وإدراك الواقع.
ومن بين صفحات هذا التراث يظل الدرس الأهم حاضرًا: أن الفقه حين يلتزم أصوله يستطيع أن يواكب الحياة، وأن التجديد لا يعني القطيعة مع التراث، كما أن الوفاء للتراث لا يعني تعطيل العقل عن فهم المستجدات


