الأديب الذي أسس دولة
في سجل النهضات الكبرى، لا يُذكر الرجال بقدر ما تُذكر الأفكار التي غيّرت مجرى التاريخ، ومحمد إقبال واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بقول الشعر، بل صنعوا به أمة، ولم يكتفوا بالتأمل الفلسفي، بل حوّلوه إلى مشروع حضاري.
بين قصيدةٍ تُلهب الوجدان، وفكرةٍ تُعيد رسم الجغرافيا، وقف إقبال شاهدًا على زمنٍ مضطرب، وصانعًا لزمنٍ جديد، حتى صار اسمه مرادفًا لليقظة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وصارت رؤيته نواةً لدولةٍ ستولد لاحقًا باسم باكستان.
لم يكن شاعرًا يُطرب، بل مفكرًا يُحرّض، ولا فيلسوفًا ينعزل، بل قائدًا يشتبك مع واقع أمته، في لحظة تاريخية كانت تبحث فيها الشعوب عن خلاصها بين ركام الاستعمار وصراع الهويات.
الشاعر والفيلسوف والمفكر الإسلامي (محمد إقبال)، صاحب فكرة إنشاء وطن خاص بالمسلمين في شبه الجزيرة الهندية (باكستان)
باكستان = الأرض الطاهرة،
باكس كلمة أُوردية بمعنى: نقي أو طاهر
ستان = الأرض
فالكلمة “باكس ستان”، وننطقها للتخفيف “باكستان”
(محمد إقبال نور محمد)
– الميلاد: 9 نوفمبر 1877م، سيالكوت، باكستان
– الوفاة: 21 أبريل 1938م، لاهور، باكستان
تأسيس دولة إسلامية
– حصل على درجة الدكتوارة من جامعة ميونخ في ألمانيا، وعاد إلى وطنه، وكان وثيق الصلة بأحداث المجتمع الهندي حتى أصبح رئيسا لحزب العصبة الإسلامية في الهند، ثم العضو البارز في مؤتمر “الله أباد” التاريخي، حيث نادَى بضرورة انفصال المسلمين عن الهندوس، ورأى تأسيس دولة إسلامية اقترح لها اسم: باكستان،
الرحيل المبكر
– في 21 أبريل 1938م.. وفي تمام الساعة الخامسة صباحًا.. تُوُفيَ محمد إقبال، فتأثرت بلاده بذلك، وعَمّ الحزن في جميع أنحاء باكستان والهند، فعُطّلت المصالح الحكومية، وأَغلقت المتاجر أبوابها، واندفع الناس إلى بيته، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء،
حديث الروح
ويقول عنه طاغور ـ شاعر الهند: (لقد خَلَّفَت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجُرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمدٍ طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم)
– مات إقبال في 1938م، بعد أن بلغت شهرته آفاق الدنيا، وغنّت له أم كلثوم إحدى قصائده وهي: “حديث الروح”.
شاعر الإسلام
– ترك إقبال ثروة ضخمة من علمه فمن آثاره: عشرون كتابًا في مجال الاقتصاد والسياسة والتربية والفلسفة والفكر وترك أيًضا بعض الكتابات المتفرقة وبعض الرسائل التي كان يبعث بها إلى أصدقائه أو أمراء الدول، ذلك إلى جانب روائعه من الشعر والتي كني بسببها (شاعر الإسلام)..
المؤسس الفقير
ولكنه عاش ومات فقيرا، وكانت إحدى الجمعيات الإسلامية في الهند تمنحه راتبًا شهريًا، واستمر الراتب بعد وفاته، لأنه ترك أطفالا صغارا.
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «ومن دواعي العجب أن كل هذا النجاح حصل لهذا النابغة، وهو لم يتجاوز اثنين وثلاثين عامًا من عمره».
ومن مؤلفاته:
تجديد التفكير الديني في الإسلام (ترجمه للعربية: عباس محمود)
تجديد الفكر الديني في الإسلام (ترجمة ثانية للعربية: يوسف عدس)
رسالة المشرق (بيام مشرق)
زبور العجم (زبور عجم)
والآن ماذا ينبغي ان نفعل يا أمم الشرق
الفتوحات الحجازية (أرمغان حجاز)
صلصة الجرس (بانك درا)
اسرار معرفة الذات (أسرار خودي)
رموز بيخودي (أسرار فناء الذات)
مسافر
جناج جبريل (بال جبريل)
ضرب كليم (الكليم موسى عليه السلام)
المثقف الذي لم ينفصل عن قضايا أمته
رحل محمد إقبال في صمت الفجر، لكن صوته ظل أعلى من الغياب، ممتدًا في ضمير أمةٍ لم تنسَ من أيقظ فيها معنى الذات، ولا من دعاها لأن تكون فاعلة في التاريخ لا هامشًا فيه.
لم يترك ثروة من المال، لكنه خلّف ميراثًا من الفكر والشعر لا يزال حيًّا، يُقرأ كلما ضاقت السبل، ويُستدعى كلما احتاجت الأمة إلى من يذكّرها بأنها قادرة على النهوض من جديد.
وبين شاعرٍ غنّت له أم كلثوم، ومفكرٍ استشهد بكلماته الساسة، يظل إقبال نموذجًا نادرًا للمثقف الذي لم ينفصل عن قضايا أمته، بل عاش لها، ومات وهو يحلم بمستقبلها.


