ليست الكدحة مجرد منطقة جغرافية عابرة في خارطة الصراع، بل تمثل عقدة استراتيجية شديدة الأهمية ومفتاحا من مفاتيح الأمن العسكري والجغرافي لمحافظة تعز وما حولها.
ومن يقرأ طبيعة المعركة اليوم يدرك أن ما يجري في الكدحة لا يتعلق بحدود قرية أو مديرية، بل بمستقبل طرق الإمداد والتواصل التي تربط تعز بعمقها البشري والاقتصادي، وبمنافذها الحيوية نحو الساحل والبحر.
لقد تحولت الكدحة إلى نقطة ارتكاز رئيسية في حسابات الحوثيين العسكرية، فمنها يحاولون بناء ضغط متواصل على تعز والمخاء، ومنها يسعون إلى توسيع نطاق التهديد باتجاه المناطق المحررة وتمثل المنطقة خلفية ميدانية مهمة لأي عمليات تستهدف خنق تعز أو التضييق عليها، لما تتمتع به من موقع يسمح بالتأثير على خطوط الحركة والإمداد بين عدد من الجبهات الحيوية.
إن الخطر لا يكمن في السيطرة على موقع بعينه فحسب، بل في النتائج التي قد تترتب على ذلك فالتقدم الحوثي في هذه الجبهة يعني تهديد طريق تعز التربة، وهو الطريق الذي يمثل شريانا مهما لحركة المواطنين والبضائع، ويربط المدينة بامتدادها الطبيعي في الحجرية، تلك المنطقة التي كانت وما تزال خزانا بشريا ووطنيا رفد الجمهورية بمختلف أشكال العطاء والتضحية.
كما أن أي اختراق في الكدحة سيضاعف من حجم التهديد للمخاء والساحل الغربي، وسيفتح المجال أمام محاولات جديدة لعزل تعز عن منافذها البحرية، وهو ما يجعل المعركة هناك معركة تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة إلى فضاء أوسع يرتبط بالأمن الوطني كله فتعز ليست مدينة معزولة، بل عقدة وصل بين شمالها وجنوبها، وبين الجبل والساحل، وأي محاولة لقطع هذه الروابط تستهدف في جوهرها إضعاف دورها الوطني ومكانتها الاستراتيجية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تعز كلما اشتدت عليها الضغوط ازدادت صلابة، وأن أبناءها كانوا دائما في مقدمة المدافعين عن الجمهورية والدولة ومشروع اليمن الكبير لكن المعارك المصيرية تحتاج إلى قراءة واقعية للمخاطر، وإلى إدراك أن الدفاع عن الكدحة اليوم ليس دفاعا عن منطقة محدودة، بل دفاع عن طرق الحياة، وعن التواصل بين أجزاء الوطن، وعن قدرة تعز على الصمود والاستمرار.
ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي توحيد الجهود، وتعزيز الإسناد العسكري واللوجستي للجبهات، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة أي تهديد فالمعارك الكبرى لا تحسم بالشعارات، وإنما بالإرادة والوعي والاستعداد والتكاتف
ستبقى الكدحة عنوانا لصمود الرجال، وخط الدفاع المتقدم عن تعز والساحل، وستبقى المعركة فيها اختبارا جديدا لإرادة الأحرار.
فحين تدرك الدولة أهمية مواقعها الاستراتيجية وتتمسك بها، فإنها لا تدافع عن الأرض فحسب، بل تدافع عن مستقبلها وهويتها وحقها في البقاء وتعز اليوم تدرك جيدا أن الكدحة ليست مجرد اسم على الخريطة، بل بوابة من بوابات مصيرها، ولذلك فإن الدفاع عنها هو دفاع عن تعز كلها، وعن الجمهورية التي ما زالت تنبض في وجدان أبنائها رغم كل التحديات.


