في أوقات معينة من رحلتي الصحفية، التي تقارب الـ 35 عامًا، كنت أزهق وأتعب من الكتابة والتفكير في مشكلات وحروب العالم، فألجأ إلى تغيير مسار القلم ليكتب في السينما تارة، وفي المشكلات الاجتماعية تارة أخرى، وأبتعد عن غمّ الشئون العربية والدولية، كي أحاول استعادة توازني النفسي.
لكن المفارقة أنني حين حاولت – في بعض محطات الصحافة – الكتابة في مشكلات الأسرة والشباب، وأردّ على تساؤلات ومشكلات ضمن بريد القرّاء (كنوع من التسلية)، أصابني الغمّ والهمّ أكثر، واكتشفت أن مشاكل السياسة والاقتصاد أرحم بكثير من هموم الحياة ومشاكل الأسر والشباب.
لكن ظلّ شغفي بالسينما، لأنني أعتبرها أقوى سلاح “ناعم” تغزونا به أمريكا وهوليوود، ويزورون به التاريخ (إلا من ندر من أفلام رائعة محايدة تخدم القضايا)، إلا أن الغوص في تخصّصي الأصلي (الشئون العربية والإسلامية) جعل الكتابة في السينما مخلوطة أيضًا بالسياسة، وأركّز على الأفلام ذات الطابع التاريخي أو التي تكشف دهايز السياسة الأمريكية مثلًا، يعني نفس وجع الدماغ.
🔴 الطريف أن لجوئي للكتابة في الشئون الاجتماعية والسينما وغيرها (لأهرب من قرف السياسة الدولية والحروب وصداعها) جاء بعد دردشة مع طبيب صديق عن سبب قلّة النوم والتوتر الزائد.
سألني: كيف تقضي يومك؟
فقلت: في الصباح أستمع وأنا ذاهب إلى العمل لـ (بي بي سي)، ثم أفتح التلفزيون على قنوات الأخبار المختلفة في مقر عملي بالصحيفة مثل الجزيرة و(سي إن إن) وأخواتها (كان وقت حرب العراق الوضع أكثر توترًا)، وأقضي يومي هكذا…
وحين أعود إلى منزلي، أفتح أيضًا التلفزيون على نفس القنوات الإخبارية والحوارية حتى أنام… لو عرفت! وأثناء اليوم، ممكن أن تتم استضافتي في بعض القنوات المصرية والعربية لأتحدث أيضًا عن مشاكل العالم، إلا من ندر من موضوعات اجتماعية وثقافية!
كان ردّ فعله: (يخرب بيتك، كده هتموت!)
ولأنه يعرف من الآخر حبي للاستماع إلى الموسيقى الخفيفة الهادئة، وعشقي للسينما (كنت أدخلها أسبوعيًّا أيام زمان)، وأفلام الأبيض والأسود (إسماعيل ياسين وغيره)، اقترح أن أغيّر نظامي اليومي، فأستمع إلى القرآن والموسيقى الهادئة في الراديو بدل أخبار الهمّ والغمّ، وأتفرّج على أفلام الأبيض والأسود الكوميدية في التلفزيون قبل النوم، وأفلام اجتماعية أجنبية هادئة… وبالفعل بدأت أعتاد على ذلك
🔴 الخلاصة: أن الصحافة كلها وجع دماغ، وبتجيب قلق وتوتر وكساح وغضروف وتخلّف عقلي وبلاوي، سواء كتبتَ في السياسة أو الاقتصاد أو حتى مشاكل الناس… والبلوى الكبرى أنك لو تعمّقت (مثلي) في مشاكل الناس والشباب، وقرأت رسائلهم وشكاواهم، ستجدها أكثر صعوبة وتوترًا وإزعاجًا من الكتابة في الشئون العربية والدولية، لأنها مشاكل الحياة نفسها التي نعيشها


