في الطب الشعبي كان الناس من العامة إذا أصاب بعضهم خراج، فتحه، ونظفه، وطهره، وحرص أن ينزع منه هناة صغيرة يقال لها “أم القيح” يتولد منها القيح بزعمهم، فإذا لم تُنزع تلك الهناة الصغيرة عاد القيح فملأ الخراج مرارًا إلى أن تُنزع، فإن نُزعت تفاءلوا له بالبرء.
والحق إن كثيرا مما يكابده الناس ويعانونه في إقليمنا و في سائر بلاد أخرى كثيرة منذ أكثر من ثلاث سنين إنما منشؤه أن الساسة يغضون الطرف عن “أم القيح”، ويعالجون الأعراض، فكلما عالجوا عَرَضًا ظهر عَرَض آخر، مثلما كانت تمتلئ الخراريج بالقيح بعد تنظيفها إن لم ينزعوا منها “أم القيح”.
فالساسة في هذا الإقليم وفي غير هذا الإقليم يرون في جماعة حماس آفة تزعزع استقرار الإقليم والعالم، وتضر شعبها ولا تنفعه، فيصفون الدواء بأن نحاربها، وننزع سلاحها، ونعزلها، ولكنهم ينسون في هذا العلاج أن ينزعوا “أم القيح” التي لولا وجودها ما كانت حماس.
والساسة في هذا الإقليم وفي غير هذا الإقليم يرون في “حزب الله” اللبناني آفة تزعزع استقرار الإقليم والعالم، وتضر شعبها ولا تنفعه، فيصفون الدواء بأن نحاربه، وننزع سلاحه، ونعزله، ولكنهم ينسون في هذا العلاج أن ينزعوا “أم القيح” التي لولا وجودها ما كان “حزب الله”.
والساسة في هذا الإقليم وفي غير هذا الإقليم يرون في جماعة “الحوثي” آفة تزعزع استقرار الإقليم، وتهدد الملاحة الآمنة بباب المندب، ويرونها جماعة تضر شعبها ولا تنفعه، فيكون الدواء بأن نحاربها، وننزع سلاحها، ونعزلها، ولكنهم ينسون في هذا العلاج أن ينزعوا “أم القيح” التي لولا وجودها ما هدد “الحوثي” الملاحة في باب المندب إبان العدوان على غزة.
والساسة في هذا الإقليم وفي غير هذا الإقليم يرون في إيران دولة تضر شعبها ولا تنفعه، ويرونها آفة تزعزع استقرار الإقليم، وتحول بين العالم والنفط، فيشح الوقود، وتغلو الأسعار، فيكون الدواء الذي يصفونه أن نحاربها، وننزع سلاحها، ونستبدل حكامها، ولكنهم ينسون في هذا العلاج أن ينزعوا “أم القيح” التي لولا وجودها لانقطع كثير من حجج إيران في كثير مما أقدمت عليه.
فانظر إلى هذا العدد من الخراجات والتقيحات التي نبتت في جسد هذا الإقليم وما حوله آخر ثلاث سنين، وانظر إلى من يظنون أنهم أهل الحسم والحزم كلما عالجوا أحدها إما انتكس وإما نبت آخر! فهلّا تنبه أهل السياسة أنهم يحرثون الماء، ويكتبون على الهواء؛ لأن أصل الداء باقٍ لم يمسسه دواء.
إن استئصال حماس، وحزب الله، والحوثي، وإيران دون استئصال “أم القيح” التي أنبتتهم إنما هو تخييط للجرح على ما به من أذى، ولن يلبث إلا قليلا حتى يتفجر قيحه وصديده، وينال الجميع نصيبه من ذلك.
لقد فطنت الأمهات والجدات أنه لا يتم البرء والحسم إلا باستئصال “أم القيح” فليت أهل السياسة تعلموا ذلك من أمهاتهم.


