ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال أنه لم يكن عجيبا أن ينكر جمهور المصريين العدوان الصهيو أمريكي على إيران، ولا هو بعجيب أن يصادف رد إيران على العدوان الصهيو أمريكي هوى في نفوس المصريين؛ ذلك أن ألف سنة من حروب الفرنجة وما تلاها إلى حرب غزة قد جعلت المصريين أكثر بصرا بعدوهم.
أعلم أن إخواننا في الخليج لا يرون الأمور على هذا النحو الذى يراه المصريون، وهم معذورون، فلقد كانوا بمعزل عن التعرض لكثير من الحوادث، وتجارب الدهر، ومقابلة الغزاة والمعتدين، وخوض الحروب دفاعا عن حمى الأمة، فالذاكرة القومية لهذه الدول تعد بالعقود وليس بالألوف من الأعوام كحال الدولة المصرية، وهذا لا أقوله على سبيل الذم والتنقص، بل هو تقرير حقيقة واقعة، فمن هنا جاء تبصرهم بالأعداء ضعيفا، وموافقا لما هم عليه من الحداثة بأمور السياسة، وقلة المعرفة بأحوال الأمم، والدول، والحضارات، فمن أجل ذلك هم لا يرون من بأس في الاستئناس بالخواجة، ويرونه الشريك والحارس والحامي، ويستضيفون جنده وعتاده في قواعد على أراضيهم، وهذه عند المصري متأيرنا كان أو غير متأيرن من المنكرات، فمثلها عند المصري كمثل قواعد الإنجليز التي جلت عن مصر في 1956 ولا تزال ذكراها يوم عطلة يُحتفل بها، ولا يزال أهلنا في مدن القنال بورسعيد والإسماعيلية كل عام يحرقون دمية الجنرال اللنبي (أحد قادة الاحتلال الإنجليزي بمصر).
ولعل أخا خليجيا أن يقول وما شأن المتأيرن المصري بشأن الخليج؟! أَلَهُ الوصاية علينا أم له الولاية؟! والحق إن المصري ليس له على أرض الخليج حق وصاية ولا ولاية، لكن له حق الغيرة على أرض الأمة، وإن غِيرته على أراضي الخليج من هذه القواعد الأجنبية كمثل غيرته على الأراضي الإيرانية حين تُقصف من تلك القواعد سواء بسواء، فكلاهما عند “المتأيرن” المصري اعتداء على أراضي الأمة، وتسلط عليها؛ فمن أجل ذلك حين جاءت هذه الضربات الإيرانية على القواعد الأجنبية في الأراضي الخليجية لم يكن “المتأيرن” المصري يراها اعتداء على أراضٍ خليجية، بل يراها تدميرا لممالك الفرنجة على أرض من أرض أمته.
إن المصري كما قلنا يغار على أرض الخليج وأرض إيران من هذا الأجنبي، ثم كان مما زاد حنقه على هذه القواعد أنه قد ثبت بالبرهان القاطع قلة غناها، وقلة نفعها في الدفاع عن مستضيفيها من أهل الخليج، بل استعملها الخواجة في غير ما استجلبت له، فانظر حين اعتدى الإسرائيليون على الدوحة القطرية في 2025/9/9، لا هي منعت الإسرائيليين عن جريمتهم ولا هي دافعت عن القطريين! وهي حين دمرتها صواريخ إيران لم تُحسن هذه القواعد الأجنبية الدفاع عن جندها وعتادها، ولا هي أحسنت الدفاع عن مستضيفيها الخليجيين! بل كانت استعمالها لمعاونة العدوان على إيران، ورصد الصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل! فهل كان المنتظر من “المتأيرن” المصري أن يبكي على مثل هذه القواعد لأنها على أرض عربية؟! أم هل كان يُنتظر من المصري أن يبكي لحال الفنادق المستهدفة وقد كانت تؤوى الهاربين من عسكر الأجانب؟! أم هل ذهب الرجاء بأصحابه بعيدا فظننا أن تلك القواعد الأجنبية وطائراتها ستُحاصِر إيران، وتمنعها من تصدير نفطها، وتقصفها ثم يلوذ الإيراني بالصمت، والأدب، والصفح الجميل؟!
إن “المتأيرن” المصري لم يكن يراها معركة بين إيراني وخليجي، بل يرى كليهما معتدًى عليه، فالأول يُقصف إرضاء للكيان الإسرائيلي، والآخر اتُّخِذت أرضه خط جبهة متقدمة لمؤازرة الجهد الحربي لنتنياهو! فالأحق بغضبة الخليج ومَن غضب لأجل الخليج ليس المصري، ولا الإيراني، بل الخواجة الذي اعتدى على الإيراني من أرض جاره الخليجي.
فهكذا كانت تُرَى الحرب الأمريكية الإسرائيلية من البر المصري.


