أَمَا وقد قد وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية 2026 أوزارها (فيما نظن)، باتفاق، أو بهدنة، أو باستراحة محاربين، فقد آن لنا أن نكتب عن طائفة كبيرة من المصريين لم يعتصموا بالصمت، ولم يمسكوا عصا الحزم من الوسط، بل صدعوا قائلين: “إنهم مع إيران ضد العدوان الصهيو أمريكي” من غير مداهنة، ولا مداراة، فدعاهم من دعاهم بـ”المتأيرنين”!
وإنى إذ خبرت قلوب وعقول المصريين بصفتى أحدهم، فأقول لمن يلوم أو يتعجب أو يتعتب:
العجب والعتب أن ترى مصريا يصطف مع الأمريكيين أو الإسرائيليين فى حرب، وما وقع فى حرب الخليج الثانية هو الشاذ الذي لا يقاس عليه، فالمصري سواء “المتأيرن” منهم او “غير المتأيرن” ليس بوسعه أن يرى حملة على إحدى بلاد المشرق الإسلامي فيناصرها، أو يلوذ بالحياد، ويقول لسنا مع هؤلاء ولا هؤلاء.
إن المصريين لمن يلوم أو يتعجب أو يتعتب هم خط جبهة منذ قديم الزمان، فصار عندهم من التبصر بالعدو ما ليس عند غيرهم، بل أزعم أن التنبه للأعداء والبصر بهم قد صار غريزة فى قلوب المصريين غرستها ألف سنة من مقارعة حملات الصليبيين المتتابعة، فليس موقف المصريين بمستجد ولا مستحدث بفعل الحرب الصهيوأمريكية على إيران فى ٢٠٢٦، لقد كانت الحملات الصليبية تُغير على مصر كما كانت تقصد الشام، وكانت مصر الأيوبية والمملوكية لهم بالمرصاد حتى أجلتهم، واستأصلت شأفتهم، ثم من بعدهم فى زمن المماليك أراد البرتغاليون قطع نهر النيل عن مصر، وتحويل مجراه إلى البحر الأحمر، ثم من بعدهم جاءت حملة “بونابرطة” الفرنسي، ثم حملة فريزر الإنجليزي، ثم الاحتلال الإنجليزي، ثم الدولة اليهودية التي أسسها الخواجة الأوروبي، ثم العدوان الثلاثي، ثم النكسة، ثم نصر ٧٣، لقد خبر المصري وجرّب ألف سنة من مكايد وحيل وعدوان هؤلاء الخواجات أو الصليبين أو الفرنجة الآتين من وراء البحار، فعلم أنه لا يأتيه منهم إلا الشر، والسلب، والنهب، فقال فى أمثاله: “اللى ييجى مِ الغرب ما يسر القلب”، ثم إن هذه الأجيال الراهنة من المصريين كل واحد منهم إما حارب وقاتل الكيان أو له قريب حارب أو استشهد أو أصيب أو فُقد، أو أُسِر في إحدى جولات القتال مع الكيان الصهيوني، فصارت هذه الغريزة (غريزة التبصر بالعدو) عند المصري تحل محل إبرة الشمال المغناطيسي في البوصلة، فهي تدل قلبه على العدو من غير تورية ولا كناية،
فهل مثل هذا الإنسان كنت تنتظر منه أن يرى حملة صهيوأمريكية على إحدى بلدان الأمة فينصرها ويهتف لها؟! أم هل كنت تظن أن المصري سيرى أن جون وديفيد وشمعون أقرب إليه مذهبا من علي وحسين ومهدى؟!
إن هذه الحرب في رأى بعض المصريين “المتأيرنين” ليست إلا حملة صليبية تاسعة على المشرق الإسلامي، جاءت ثم اندحرت.
أعلم أن إخواننا في الخليج لا يرون الأمور على هذا النحو…
ولهذا الحديث بقية في مقالة أخرى بمشيئة الله.


