ينبغي للإنسان بين الحين والحين أن يراجع نفسه، ويطالع مسلكه، فينظر ما أصاب فيه وما أخطأ، وما كان ينبغي له الإقدام عليه فتأخر عنه، وما كان ينبغي له الرجوع عنه فتقدم فيه، وليس ذلك مما ينقص قدر المرء أو يعيبه.
ومما ينبغي على أهل فلسطين مراجعته في هذا الأوان هو فقه “الجهاد بالسلاح”، وأن يرجعوا في ذلك إلى فقه الأولويات، وفقه المآلات، فقد أبانت الوقائع والمآلات منذ ٢٠٢٣ وبعض ما سبقها ولحقها أن واجب الوقت الآن على الفلسطيني ليس حمل السلاح على اليهود المغتصبين والإثخان فيهم، بل واجب الوقت أن يبقى فى داره، ويستمسك ما استطاع بأرضه، وألا يفرط فيما تحت يده من أوقاف الأمة الإسلامية حتى يأتي أمر الله، فهذا هو جهادهم الآن، وإنه لمن التفريط اليوم أن يحمل الفلسطيني سكينا أو بندقية فيضرب بها صهيونيا فيصيبه، فيكون من عاقبة ذلك أن يزداد تجرؤ العدو على هدم البيوت، وتهجير الناس بذريعة حماية جنوده ومستوطنيه، فنفقد مزيدا من الدونمات والهكتارات لتقع سائغة هينة فى أيدى العدو! فهاهنا يكون السلاح قد طعن صاحبه، ويكون الجهاد قد انقلب على المجاهد، وليس هذا بمقصد الجهاد لمن عنده بعض إلمام بفقه الجهاد.
وماذا لو أن جماعة أرادت الانتصار لفلسطين وأهلها وأقصاها، ووجدت فى جندها شوكة وبأسا، فأغاروا على من حولهم من جنود ومستوطنى العدو الإسرائيلى فقتلوا ألفًا منهم، فرد عليهم العدو بقتل مائة ألف من الدماء المعصومة، وشرد مليونا أو يزيد فباتوا فى العراء، وضرب عليهم الجوع والحصار، واستلب أراضيهم، أكنت ترى هؤلاء قد نصروا فلسطين ونفعوها بجهادهم؟ أم نصروا الاستيطان الإسرائيلى وقوّوا شوكة العدو؟! ولئن كان عذر هؤلاء أنهم اجتهدوا وتوقعوا، فأخلفت الوقائع توقعاتهم، فلست أرى عذرا لأحد بعدهم فى المقاومة بالسلاح (الآن) بعد أن رأى العواقب الشنيعة التى حلت بإخوانه.
إن بقاء الفلسطيني اليوم فى داره هو الجهاد الواجب وليس حمل السلاح، إن بقاء الإنسان الفلسطيني، والدار الفلسطينية، والقرية الفلسطينية هو الجدار الذى يبطل الاستيطان الإسرائيلي، أو يخفف وطأته عن الأرض الفلسطينية، ولا ينبغي التفريط فى ذلك المغنم أبدا؛ لأجل أن ننتقم من بضعة محتلين.
إنه إذا كان معنى الاحتلال هو إحلال جنس من البشر مكان جنس آخر، فإذا استطعت أن تُصعِّب على المحتل إحلال هؤلاء مكان هؤلاء فقد استطعت أن تحرم العدو نصف النصر، وإذا بقى الفلسطيني فى داره فقد أفسد جزءا من تدبير الاحتلال ومؤامراته، وهذا ضرب من ضروب الجهاد.
أعلم أن لكل واحد من هذه الأمة حقوق، ومظالم، وثارات عند الصهاينة، فهذا له قريب قتلوه، وذاك له أرض اغتصبت، وهؤلاء لهم مسجد مغصوب يدنسه اليهود كل حين، وإن كل واحد منا ليشفي صدره أن يرى مجاهدا قد شن الغارة على بعض المحتلين الصهاينة فأثخن فيهم وآلمهم، وأدرك بعض ثأر الأمة، لكن كظم الغيظ فى هذه الآونة من الزمن هو أعظم وأنفع للأمة ولفلسطين من إنفاذ غيظٍ يعقبه فقدان الأنفس المعصومة، وتمكين العدو مما لم يكن تحت يديه من أوقاف الأمة الإسلامية.
فيا أيها المجاهد الفلسطيني، آنَ لك أن تستريح، وآن لبندقيتك أن تلتقط أنفاسها، حتى يأذن الله بحال غير الحال، والله أعلى وأعلم، والله على كل شيء قدير.


