الشيخ رشيد رضا قبل وفاة شيخه وأستاذه محمد عبده سنة 1905 كان في صف الدولة العثمانية امتثالا لنصيحته، وحرصا على وحدة الدولة من الانقسام والتشظي أمام المكر الإنجليزي، وهو -أي عبده- الخبير بهذا المكر، ولكن بعد وفاته انقلب رشيد رضا على الدولة العثمانية نتيجة الظلم الذي تعرضت له أسرته في لبنان وعلى رأسهم والده من بعض الولاة الظلمة هنالك، وساعده على ذلك كتابات صديقه الشيخ عبد الرحمن الكواكبي الذي مات مسموما سنة 1901.
ولهذا السبب وقف بشدة في صف جمعية الاتحاد والترقي في انقلابها على عبد الحميد؛ ظنا منه أنها ستحق الحق، وتنصف الأعراق والعرب، وتقيم الديمقراطية والعدالة المنشودة، ولكن لما بدر منها ظلم واضطهاد للعرب، وإعدامات جمال السفاح لهم في الشام، وسياستهم الخاطئة في الحرب العالمية الأولى، وجاءت بوجه أشد ظلما وفتكا مما كان في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وقف ضدها، وانضمّ لصف الشريف حسين في دعوته للثورة العربية الكبرى.
ولكن لما أدرك المكر الإنجليزي والفرنسي، ومدى جهل الشريف، وخطورة ما يقوم به في تفتيت العالم العربي وإلقائه كليا في حجر الإنجليز كتب يقول عنه في المنار في عدد ذي القعدة 1343هـ/يونيو 1925: “رَضي لنفسه أن يكون موظفا بريطانيا في الحجاز… فكان عاقبة جهله وغروره واستبداده برأيه أن خذله الإنكليز في كل شيء”، ووضعوه تحت الإقامة الجبرية في قبرص.
والشاهد من هذا الموقف أن الربع الأول من القرن العشرين كان متقلبا شديد التقلب، وكان المكر الغربي والبريطاني تحديدا عنيفا قويا، جعل رشيد رضا وغيره من المفكرين والعسكريين العرب حيارى أمام ما يجري، تارة يقفون مع الدولة العثمانية، وتارة يقفون ضدها، ثم تارة ثالثة يقفون ضد من وقف ضدها!
وموقف رشيد رضا كان منطقيا؛ لأن الرجل رحمه الله كان كارها للظلم والاستبداد، وهو في كل موقف كان منطقيا ومتصالحا مع نفسه وما يراه حقا رحمه الله، والعبرة في كل ذلك أن المواقف تُخلّد، والتاريخ لا يُنسى، ويوم القيامة توزن فيه الموازين بالحق، فإما جنة وإما نار.


