من الأمور التي تأملتُ فيها كثيرا؛ الأسباب الجوهرية التي جعلت الأتراك يتسيدون العالم الإسلامي لأكثر من ألف سنة، منذ العصر العباسي وحتى نهاية العصر العثماني، وإننا سنجد منذ القرن الأول وحتى منتصف الثالث الهجري أن العرب ثم الفرس كانا كفَرسي رهان في ميدان السياسة والحُكم، ثم انزويا في ميدان العلم والمشيخة.
ثم بدءا من منتصف القرن الثالث الهجري/الثامن الميلادي وحتى القرن العشرين تسيد الأتراك سياسيا وعسكريا، فما الذي أوصلهم لهذه النتيجة؟!
وقبل الإجابة، هل تعلم أن الدولة الصفوية التي ناطحت الدولة العثمانية كان مؤسسوها أيضا أتراك قِزِلباش، وأنهم هم الذين رفعوا المذهب الاثني عشري على المذهب الشافعي في البلاد.
حتى اليوم يدرس الغرب والإسرائيليون وكذلك الروس دور الأتراك في الحضارة الإسلامية، والإجابة ببساطة تكمن في العقلية العسكرية التركية التي حافظت على السيف والقوة العسكرية طوال هذه المدة، ولم تتنازل عنه كما تنازل العرب.
ويحضرني هنا ذكاء السلطان نور الدين محمود رحمه الله حين أرسل للخليفة الفاطمي الأخير العاضد جوابا يثبته فيه، ويجعله يتقبل الفِرق التركية التي جاءت في جيش صلاح الدين، قائلا:
“إنه ما أرسلهم واعتمد عليهم إلا لعلمه بأن قنطاريات (رماح) الفرنج (الصليبيين) ليس لها إلا سهام الأتراك؛ فإن الفرنج لا يرعبون إلا منهم، ولولاهم لزاد طمعهم في الديار المصرية، ولحصلوا منها على الأمنية”.
وذلك أمر ينتبه إليه ول ديورانت مؤرخ الحضارة حين قال: “بعثوا في الأداة الحكومية حيوية جديدة وكفاية لم تكن لها قبل مجيئهم، كما بعثوا في الإسلام قوة جديدة من الإيمان الصادق السليم..ولم يمضِ عليهم إلا قليلا من الوقت حتى أشربوا روح الحضارة التي أقبلوا عليها، وألفوا من الأشلاء المتناثرة للدولة المحتضرة إمبراطورية جديدة، وبعثوا فيها من القوة ما استطاعت به أن تصمد لذلك النزاع الطويل بين المسيحية والإسلام”.


