في سجلّ الدولة المصرية، حيث تختلط السياسة بالصناعة، وتُقاس الأسماء بقدرتها على تحويل الفكرة إلى خرسانةٍ تُقاوم الزمن، يبرز اسم المهندس محمد صدقي سليمان بوصفه واحدًا من رجال الظل الذين صنعوا العناوين الكبرى دون ضجيج.
لم يكن مجرد رئيس وزراء عابر في عامٍ مضطرب، بل كان عقلًا هندسيًا يقود مشروعًا بحجم وطن، حين وقف على رأس واحدة من أعظم مغامرات القرن العشرين: السد العالي.
بين حسابات السياسة وضغط اللحظة التاريخية، ظلّ الرجل وفيًّا لصلابته المهنية، يشيّد لا بالخرسانة وحدها، بل بإرادة دولة تبحث عن سيادتها فوق مياه النيل، وتُعيد تعريف نفسها في زمن التحولات الكبرى.
وُلد عام 1919م، في طوخ بمحافظة القليوبية، وتخرّج في كلية الهندسة عام 1939م، قبل أن يُضيف إلى تكوينه العلمي دراسةً عسكرية منحت شخصيته صرامة القرار ودقّة التنفيذ.
بدأ ضابطًا في سلاح المهندسين، ثم صعد في مسارات الدولة الفنية والإدارية، حتى تولّى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة مواد البناء والحراريات عام 1961م، قبل أن يُسند إليه الملف الأخطر: الإشراف على مشروع السد العالي، الذي مثّل آنذاك عنوان السيادة المصرية ومفتاح التنمية.
لم يكن حضوره في الحكومة تقليديًا؛ فقد جمع بين وزارة السد العالي والصناعة والكهرباء في لحظة فارقة أعقبت نكسة يونيو 1967م، ثم تولّى رئاسة الوزراء بين سبتمبر 1966م، ويونيو 1967م، في واحدة من أكثر الفترات توترًا في التاريخ المصري الحديث.
وبعدها، تنقّل بين مواقع المسؤولية العليا: مستشارًا لرئيس الجمهورية، ثم رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات حتى استقالته عام 1978م، في مسيرة تعكس ثقة الدولة في نزاهته وخبرته، أكثر مما تعكس طموحًا سياسيًا شخصيًا.
المهندس محمد صدقي سليمان
الميلاد: 1919م، طوخ، القليوبية (مصر)
الوفاة: 28 مارس 1996م، القاهرة.
حصل على بكالوريوس هندسة، 1939م، ثم ماجستير في العلوم العسكرية.
أهم مناصبه:
ضابط بسلاح المهندسين
رئيس مجلس إدارة مؤسسة مواد البناء والحراريات 1961م.
وزير السد العالي
عضو للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي.
المشرف العام على مشروع السد العالي.
وزير الصناعة والكهرباء والسد العالي في 19 يونيو 1967م
رئيس وزراء مصر، في 10 سبتمبر 1966- حتى 19 يونيو 1967م
وزير الكهرباء والسد العالي، في 20 يناير 1970م
مستشار رئيس الجمهورية، في 8 نوفمبر 1970م
رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، في 14 يناير 1971م، حتى استقالته، عام 1978م.
الرحيل
هكذا رحل محمد صدقي سليمان في 28 مارس 1996م، بعد مسيرة لم تُكتب بالحبر بقدر ما نُقشت في صلب المشروع الوطني المصري.
من مواقع الهندسة إلى قمة السلطة، ثم إلى مواقع الرقابة والمحاسبة، ظلّ نموذجًا لرجل الدولة الذي يعبر المناصب دون أن تغيّره، ويترك أثره حيثما حلّ.
وإذا كانت السياسة تُبدّل وجوهها سريعًا، فإن ما يبقى هو ما يُشيَّد ويُنجز، وهناك، عند ضفاف السد العالي، لا يزال اسمه قائمًا في صمتٍ يليق بالرجال الذين صنعوا التاريخ دون أن يطلبوا تصفيقًا.







