أولا ـ أين الخطأ والصواب في إجراء إلقاء القبض على الصحفيين الستة الذين يقال إنهم كل فريق غرفة الأخبار في صفحة “متصدقش” التي أطالعها منذ وقت على فيسبوك؟
هذا السؤال أراه ضروريا قياسا على ثلاثة أمور:
1 ـ كل إجراء يمكن أن يكون خاطئا كما يمكن أن يكون صائبا.
2 ـ من حق المواطنين، وأنا منهم، فحص إجراءات السياسة العامة للإدلاء برأي فيها تأييدا أو رفضا أو شرحا.
3 ـ إلقاء القبض على ستة محررين في صفحة تحقيقات صحفية واحدة في يوم واحد إجراء صعب جاء في وقت صعب.
ثانيا ـ في تفصيل ما سبق أسوق النقاط التالية:
1 ـ قالت السلطات إن الصحفيين الستة ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة والموصومة بالإرهاب، وإنهم يعملون بإوامر الجماعة وتمويلها.
2 ـ هذا القيد والوصف في القضية يعني أمورا خطيرة للغاية أفصلها فيما يلي:
أ ـ إذا ثبتت الاتهامات بأحكام قضائية نهائية يكون المعنى أن جماعة الإخوان موجودة بقوة في مصر على الرغم من أن كوادرها القيادية موزعة بين سجين في الداخل وطريد في الخارج.
ب ـ هذه الاتهامات، وغيرها مما يرد في بيانات السلطات عن نشاط للجماعة في مصر، يجعل الناس يشعرون بأن الإخوان يحلقون فوق رؤوسهم ويكادون ينقضون عليهم.
ج ـ هذه الاتهامات، إن صحت، تؤكد المعادلة التي كانت قائمة في عهد حسني مبارك، وهي أن هناك قوتين منظمتين لا ثالثة لهما في البلاد، هما: الجيش والإخوان.
ثالثا ـ حتى الآن، هل نضع القضية في كفة المكسب أم في كفة الخسارة بينما نزن الإجراء؟
أجيب في النقاط التالية:
1 ـ تسببت جماعية الاعتقال في حالة فزع في المجتمع الصحفي المصري.
عندك الآن مئات الصحفيين يعلنون رفضهم للإجراء حتى قبل صدور قرار بحفظ التحقيقات أو صدور حكم قضائي نهائي في القضية. وأتصور أن آلاف الصحفيين يرفضون الإجراء دون إعلان منهم عن ذلك. إنهم، على الأقل، يثيرون تساؤلات حول دوافع وتوقيت اتخاذ الإجراء.
2 ـ أعود وأكرر: جماعية الاعتقال كانت السبب في ردود فعل دولية اتهمت مصر بمواصلة ما يقال إنه ملاحقة بوليسية وقضائية لحرية الصحافة، خاصة الصحافة المستقلة.
أتصور أن شخصا ماهرا في مؤسسة “متصدقش” يقف وراء القول: “إلقاء القبض على كامل غرفة الأخبار” مما جعل النبأ ينتشر بسهولة في العالم.
فالصفحة ما زالت تعمل، وقرأت عليها قبل قليل بيانا حديثا عن القضية سليم الأسلوب واللغة، بل قوي الحجة.
هذا يوحي بأن “متصدقش” كمؤسسة لم تهتز ولم تترنح رغم اعتقال الصحفيين الستة.
العكس هو الصحيح لأن الصفحة تشعر بقوة التضامن معها محليا وعالميا.
3 ـ تصوري، وأظن أن كثيرا من الناس يشاركوني هذا التصور، أن الإجراء صب بعض الزيت على نار الأزمة المصرية.
مستحيل أن يكون قلص الأزمة أو أخمد جزءا من النار.
لا أحتاج إلى تفصيل الأزمة لأنها موجودة في كل مكتب وفي كل متجر وفي كل بيت.
رابعًاـ إذا لم يكن الصحفيون الستة خلية إخوانية فإننا نكون أمام ما يلي:
1 ـ أن السلطات وجهت ضربة استباقية لصفحة تتحقق من تصريحات وبيانات المسؤولين والجهات الرسمية، وذلك في وقت يقترب فيه المؤتمر المزمع عقده لعرض إنجازات الاثنتي عشرة سنة الماضية.
لا تريد الحكومة أن تقيم منصتها لعرض الإنجازات بينما تقيم “متصدقش” منصة مقابلة لعرض الإخفاقات.
أؤكد أن هذا مجرد تصور ستثبته أو تنفيه التحقيقات والمحاكمة إن أجريت.
2 ـ متصدقش ليست المنصة الوحيدة من نوعها، وبذلك ربما يكون استهدافها “بروفة” لاستهداف مثيلات وشبيهات لها على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا أيضا مجرد تصور.
3 ـ إذا ثبت أن الصفحة ليست إخوانية يكون الهدف من نسبتها إلى الإخوان إسكات الناس عن طريق تخويفهم وكأن على رؤوسهم الطير.
في جوجل وجدت أن عبارة “كأن على رؤوسهم الطير” تعني شدة السكون وإطراق الرؤوس ترقبا أو خوفا.
في الختام، أرجو ألا تكون السلطات في الجانب المظلم من القضية، وأن تخرج منه بسرعة إن كانت وقعت فيه بسبب وشايات أو بلاغات كاذبة أو كيدية.


