أولا ـ حالة الغليان في الولايات المتحدة أوضح من أن تُخفيها، أو تخففها، تصريحات الرئيس دونالد ترامب عن انتصار يقول إن قواته، التي يباهي بها، حققته على إيران.
أيضا لا تجدي نفعا تصريحات وزير الحرب «بيت هيجسيث» عن تفوق عسكري أمريكي ساحق على إيران.
لا تهدأ جذوة الغضب في نفوس الأمريكيين بعد أن رأوا بلادهم تدفع ثمنا باهظا لطيش الرئيس وحمق مساعديه.
تلك حقائق أظن أنها بادية للجميع.
الرئيس ووزير حربه يصيبهما مس من الجنون من التغطية الصحفية للنتائج الكارثية للحرب في الجانب الأمريكي.
الرجلان لا يريدان أن يسمع الأمريكيون أو يروا ما لحق ببلادهم من دمار مادي وسياسي ودبلوماسي منذ ضُحى 28 فبراير إلى اليوم.
يصف ترامب، في تصريحاته للصحفيين، صحيفة ما بأنها كاذبة، وأخرى بأنها فاشلة، ويسُب الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام التي تثير تقاريرها عن الحرب أعصابه.
في أحدث مؤتمر صحفي عقده، وصف وزير الحرب تغطية وسائل الإعلام الأمريكية بأنها «قمامة سلبية مستمرة».
ثانيا ـ في هذا التقرير أضع أمامكم جانبا من نتائج الحرب في الضفة الأمريكية اقتباسا من تقارير وسائل إعلام أمريكية وبريطانية وإسرائيلية:
1 ـ تقرير لقناة «إن.بي.سي نيوز» التلفزيونية الأمريكية: تسببت هجمات إيران بالصواريخ والمسيرات خلال مارس في أضرار جسيمة بالمنشآت العسكرية الأمريكية في السعودية، خاصة قاعدة الأمير سلطان الجوية. أسفرت الهجمات عن إصابة أعداد من العسكريين الأمريكيين، وإلحاق أضرار بالغة بالطائرات الحربية الأمريكية.
تقول القناة أيضا: أدت الضربات الإيرانية إلى إعاقة قدرات الجيش الأمريكي على المراقبة والرصد في الشرق الأوسط.
2 ـ تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي»: تؤكد صور الأقمار الصناعية تحطم قاعدة الأمير سلطان الجوية.
3 ـ تقرير لصحيفة «ذا تايمز أوف إسرائيل» الإسرائيلية: أظهرت صور الأقمار الصناعية اندلاع حرائق وحدوث أضرار في القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وتضيف الصحيفة ان التقارير تشير إلى أن العديد من القواعد في المنطقة أصبحت «غير صالحة للعمل تقريبا» وأن قيمة الأضرار في 13 موقعا تقدر بـ 800 مليون دولار.
4 ـ تقرير لصحيفة «ذا جيروزاليم بوست» الإسرائيلية: أفادت تقارير بأن هجوما شديد التدمير بالطائرات المسيرة استهدف مجمع السفارة الأمريكية في الرياض، وهو ما يناقض الادعاءات بحدوث أضرار طفيفة في المقر.
5 ـ تفيد تقارير أخرى بأن القوات الأمريكية فرت من قواعدها إلى مقار دبلوماسية وفنادق ومنازل في السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر فيما بدا أن هذه القوات تقطعت بها السبل بعد أن عجزت الولايات المتحدة عن سحبها في بدايات الحرب.
كانت الهجمات الإيرانية قد شملت العديد من المباني والمطارات المدنية في إطار ملاحقة القوات الأمريكية المتقهقرة.
على هذا النحو من حق الأمريكيين أن تتقد في نفوسهم جذوة الغضب من ترامب وإدارته.
ثالثا ـ واضح من الوقائع في (ثانيا) أن رصيدا استراتيجيا أمريكيا ضخما تمثله القواعد العسكرية في الدول العربية تعرض لدمار يستعصي على الإصلاح القريب.
رابعا ـ معنى ذلك أن فراغا أمنيا نشأ في دول الخليج التي ظلت إلى ما قبل الحرب تعتقد أنها محمية بالقواعد الأمريكية.
خامسا ـ كانت السعودية أسرع دولة تملأ الفراغ.
يوم السبت الماضي (قبل نحو أسبوع من الآن) وبهدوء أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن قوات باكستانية، تضم طائرات حربية، وصلت إلى المملكة.
استند هذا التطور إلى أمرين:
1 ـ اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين في سبتمبر الماضي.
2 ـ التنسيق الأمني القائم منذ عشرات السنين والمبني على ثقة متبادلة.
سادسا ـ تذكر بعض التقارير أن القوات الباكستانية التي أعلنت السعودية عن وصولها إلى المنطقة الشرقية في المملكة قوامها 13 ألف جندي وضابط، وأن عدد الطائرات الحربية المستضافة في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية 18 طائرة مقاتلة ومعاونة.
سابعا ـ في تقديري أن هذا التطور ينطوي على أبعاد استراتيجية تعيد رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط:
1 ـ في الغالب أن نشر القوات الباكستانية بالسعودية يسد الطريق أمام محاولة أمريكا إعادة تأهيل وجودها العسكري في المملكة.
أسباب ذلك كثيرة، من بينها ما تكشف لدول الخليج خاصا بتركيز السياسة الأمريكية على حماية إسرائيل وتعزيز وجودها ونفوذها في المنطقة، وإهمال ما عدا ذلك.
2 ـ نشر القوات الباكستانية في السعودية رسالة سلام إلى إيران التي تطالب بإنهاء وجود القواعد العسكرية في دول الخليج ووضع ترتيبات أمن إقليمية.
ولاحظنا منذ ما قبل إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران نشاطا بارزا للدبلوماسية السعودية تجاه إيران أظن أن الدولتين تفاهمتا خلاله بشأن استقدام القوات الباكستانية إلى المملكة.
3 ـ نشر القوات الباكستانية في السعودية تأمين، أظن أن المملكة رأت أنه ضروري، في مواجهة حديث إسرائيل الصريح المدعوم من الولايات المتحدة عن “إسـ ـرائيل الكبرى” التي تضم، نظريا إلى الآن، جزءا من الأراضي السعودية.
يعزز هذا الظن لدي أن ترامب أيد ضم مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى إسـ ـرائيل ولم يمانع في أن تقضم المزيد من الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية (في الضفة الغربية وقطاع غزة).
ثامنا ـ أظن أن حملات الإساءة إلى مصر من بعض الخليجيين تهدف إلى أن تبقى بلادنا بعيدة عن المعادلات الجديدة في الشرق الأوسط، وأن يكون نصيبها من نار الصراع مزيدا من الخسائر السياسية والاقتصادية والأدبية.
ومن المؤسف أن بعض المصريين أسهم في تأجيح هذه الحملات التي اتخذت من وسائل الإعلام الاجتماعي ساحة رئيسية لها، وذلك بردهم على مشعلي النار بالنار.
وإذا أرادت مصر موقعا أفضل لها في الصورة فأتصور أن عليها أن تدرس وقائع الـ 15 سنة الماضية في داخلها وفي محيطها الإقليمي بأمانة وتجرد من أجل أن تضع سياسة جديدة مفيدة ومستدامة.
هذا مهم للغاية لأن وقع التغيير في المنطقة قد يكون أسرع مما نتصور.


