** مياه الصرف الصحي تغمر الشوارع في جنوب طهران آتية من شمالها.
في الشمال (المرتفع) قصور الحكام وبيوت الأثرياء. وفي الجنوب (المنخفض) بيوت الفقراء الذين ينامون ويصحون على الروائح الكريهة ولدغات البعوض.
** قرأت هذا في تحليلات وكالات الأنباء العالمية عن الثورة التي اندلعت في إيران سنة 1978 والتي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي بعد نحو سنة.
** التحقت بالعمل في مؤسسة “أخبار اليوم” محررا مترجما بعد شهور من تخرجي في كلية الإعلام جامعة القاهرة (قسم الصحافة والنشر) سنة 1977 وكانت قد مرت شهور على اندلاع الثورة الإيرانية.
** قرأت أيضا أن الشاه (أي الملك) قال للداهية الأمريكي هنري كيسنجر الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي ثم منصب وزير الخارجية في بلاده إن حكم أسرة بهلوي لإيران سيستمر ألف عام.
قال محمد رضا بهلوي ذلك في احتفال في طهران بذكري تنصيبه أقيم قبل اندلاع الثورة بفترة قصيرة وذلك عندما سأله كيسنجر: إلى متى سيستمر حكم أسرة بهلوي؟
** لم يستند الشاه في تقديره لفترة بقاء أسرة بهلوي في الحكم إلى تأييد الشعب، بل إلى تأييد طرفين بارزين في المعادلة السياسية الإيرانية في ذلك الوقت:
1 ـ الشرطة السرية التي كان منوطا بها تعذيب وقتل المعارضين.
2 ـ الولايات المتحدة التي كانت تتخذ من الشاه شرطيا للخليج، وإسرائيل التي يعرف الرجل أن نفوذها متغلغل في الدوائر السياسية في واشنطن.
** ألقى محمد رضا بهلوي بكل ما لديه من بيض في السلتين الأمريكية والإسرائيلية بسبب فترة اضطراب كادت تقوض حكمه في السنوات العشر الأولى منه.
جرت الأحداث على النحو التالي:
1 ـ عزل الاتحاد السوفيتي وبريطانيا والد الشاه سنة 1941 لظنهما أنه يميل لدعم الزعيم النازي أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية. وعينت الدولتان الابن محمد رضا بهلوي إمبراطورا لإيران.
2 ـ يوم 15 مارس 1951 صوت مجلس النواب الإيراني على مشروع قانون بتأميم صناعة النفط التي كانت تحت سيطرة بريطانيا منذ سنة 1913. لكن رئيس الوزراء رزم آرا رفض العمل بالقانون فتمت تنحيته وتعيين محمد مصدق رئيسا للوزراء.
3 ـ أطاح مصدق بالشاه محمد رضا بهلوي الذي غادر البلاد.
4 ـ أثارت سياسة مصدق الوطنية الذعر في الغرب، فنظمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية انقلابا عليه، وأعادت الشاه إلى الحكم.
** بعد انتصار الثورة الإيرانية بقيادة آية الله روح الله الخميني وإلغاء الملكية وإعلان قيام جمهورية إيران الإسلامية، استضافت الولايات المتحدة الشاه قائلة إن ذلك لعلاجه من مرض خطير.
** كانت في نفوس الثوار ضغينة، وفي حلوقهم غصة، من الولايات المتحدة. وكان استقبال الشاه هناك الشرارة التي أشعلت عملية اقتحام السفارة الأمريكية في طهران يوم 4 نوفمبر 1979 واحتجاز 52 رهينة فيها لمدة 444 يوماً.
** خلال حرب أكتوبر 1973 – كمثال – زود الشاه إسرائيل بكل احتياجاتها من البترول دون مقابل. وفور النصر قطعت طهران الثورية العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل… فورا ونهائيا.
** كانت النتيجة عداء أمريكيا وإسرائيليا للثورة والقائمين بها، ومن يوالونها أو يؤيدونها.
وبدأ التآمر على إيران.
** كان الرئيس العراقي صدام حسين حاكما مستبدا عذب وقتل من معارضيه الكثيرين، وكان كثيرون من أفراد الأغلبية الشيعية بالعراق يكرهونه أو يناصبونه العداء، خاصة بعد أن أعدم المرجع الشيعي البارز آية الله محمد باقر الصدر وشقيقته آمنة الصدر في أبريل سنة 1980 بعد انتصار الثورة الإيرانية.
وأتصور أنه في مناخ من هذا النوع كان سهلا دفع صدام إلى إعلان الحرب على إيران، فكانت حرب الـ 8 سنوات التي بلغ عدد قتلاها نحو مليون من الجانبين.
تكلفت الحرب نحو 400 مليار دولار.
لذلك سكتت إيران عن غزو العراق سنة 2003 والذي انتهى بإعدام صدام بحضور ظاهر وشعور بالفرح والانتصار أبداه الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر نجل المرجع الشيعي القتيل.
** دعمت دول الخليج صدام حسين في حربه على إيران، لكن بعد انتهاء الحرب سنة 1988 كان باديا أن هذه الدول راحت تتآمر عليه كون بلاده صارت قوة عسكرية مرهوبة الجانب.
والبادي أن صدام حسين الذي كان من السهل استدراجه سقط في شرك غزو الكويت سنة 1990. وكان الغزو وما ترتب عليه سببا في النهاية في شنقه، وسقوط بلاده تحت الاحتلال، وسقوط دول الخليج في قبضة القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية.
** من قبيل الدفاع عن النفس مدت إيران يدها إلى مظلومين في العالم العربي فنشأ ما سماه الغرب الأذرع في كل من لبنان والعراق واليمن وفلسطين.
** القراء الأعزاء أشكركم على تحملكم عناء القراءة المطولة لكن أظن أنكم عرفتم الآن: لماذا إيران؟







