مقالات

محمد نعمان الدين الندوي يكتب: الألف واللام والحاء والباء

مهلاً.. مهلاً.. يا حضرات القراء!

 فأرجوكم أن لا تَحاروا ولا تضطربوا.. ولا تسارعوا بالحكم على واضع العنوان حكماً قاسياً …!

فليس العنوان من باب: «الحروف المقطعات» القرآنية المعجزة، التي لا يدرك كنهها إلا منزلها الخبير جل وعلا…!

حاشا وكلا.. والعياذ بالله ألف ألف مرة!

أفيُتصور من مؤمن أن يبلغ من الوقاحة وسوء الأدب أن يتجاسر على مضاهاة كلام رب العالمين…؟!

 أبداً.. أبداً.. إنه لن يفكر في ذلك ولن يخطر له على بال في المنام..، فضلاً عن أن يريد -وهو في اليقظة- أو يحاول هذه المحاولة الفاشلة الفاجرة المحققةَ الفشل مئةً في المئة، المكتوب لصاحبها الآثمِ الخيبةُ والندامة والخسارة، ويا لها من خسارة!

شُلت يد ذلك التعس الشقي الذي يمسك القلم ليحاكي أو يجاري كتاب الله، وجُعل عبرة لمن تحدثه نفسه بذلك.

ثم أنا -والله- متأكد من أن الشادي وصاحب الفهم العادي من القراء، يكون قد أدرك -بقليل من التروي وإعمال الفكر- مجموع الكلمة المشار إليها -في العنوان- بهذه الحروف المقطعة المنفصلة، فهي -الحروف- ليست إمعة.. يعيي فهمُها كبارَ الأذكياء، أو طلسماً.. أو لغزا يحتاج فكًه إلى مقدار عظيم من الذكاء والفطنة.

إنها كلمة معروفة بسيطة، حلوة لطيفة، موحية ملهمة، خفيفة على اللسان، أثيرة عند كل إنسان، ذات وقع وتأثير على القلب والوجدان.

كلمة لو تَبَنّى حقيقتَها المجتمعُ البشري اليوم واحتضنها لانحلت معظم القضايا والمشكلات، وزالت الشحناء والبغضاء والترات، وحل الوئام والتقارب والتآلف في المجتمعات.

كلمة ورد ذكرها في الكتاب والسنة، ولكن -مع الأسف- لطالما أسيء استعمالها، ولم توف حقها من فهم معناها الحقيقي المبارك الشامل المتكامل، ولا تحقيقه – معناها – تحقيقاً عملياً كما ينبغي أن يكون.

لقد جنى عليها الجانون، وظلمها الظالمون، حيث ضيقوا معناها، وحجّروا سعته، وقيدوا شموله، فجعلوه مادياً بحتاً، فأساءوا إلى شرف الكلمة، ودنسوا قداستها.

كلمة.. دعا إلى تحقيق معناها كل نبي مرسل، وكل صالح ومصلح، وكل مهتم بأمر الإنسانية، فلا معنى للإنسانية وللأخلاق والفضائل والمكرمات، بدون تحقيق ما ترمز إليه الكلمة من دلالات وحقائق..

بعد هذا التمهيد -الذي لعله يكون قد شق على القراء.. فعفوا ومعذرة- أريد أن أرفع الغطاء عن هذه الكلمة..، لكي أتحدث عنها بشكل أوضح وأظهر.

إنها -كما تكونون قد اهتديتم إليها مسبقاً أيها القراء- كلمة: «الحب».. الكلمة المسكينة المظلومة المعتدى على معناها وكرامتِها، المبخوس حقُّها، المُساء فهمُ مدلولِها الحقيقي…!

يا قوم! الحب أسمى وأطهر وأشمل مما نحسب!

 إن الحب رسالة، وخير وبركة، وأمانة ووفاء، إنه -الحب- درة تاج الإنسانية، وغرة جبينها، وبيت قصيدها، وعين رسالتها، وروح روحها.

 وللحب لغة تفهمها القلوب، وسحر تكاد تذوب منه النفوس، وإيحاءات وإضاءات وغرائب وعجائب ومذاهب.

وللناس فيما يعشقون ومذاهب

 والعالَم بلا حب قالب بلا قلب، ومادة بلا روح، ولفظ بلا معنى، وعبارة بلا عِبرة، وآلة صماء، وقصة فارغة…!

فالقلب بلا حب لا يفقه.

 والعقل بلا حب لا يفكر.

والعين بلا حب لا تدمع.

والأذن بلا حب لا تسمع.

 والسماء بلا حب لا تمطر.

والأرض بلا حب لا تنبت.

والسفينة بلا حب لا تجري.

والروضة بلا حب لا تزهر.

والأزهار بلا حب لا تتفتح.

والزواج بلا حب لا يسعد.

والأستاذ بلا حب لا يُعلّم.

والتلميذ بلا حب لا يدرس.

والجيش بلا حب لا ينتصر.

والإنسان بلا حب لحم ودم!

فإن العالم بلا حب لا شيء!

والمجتمع البشري بلا حب مأتم ومناحة..

والحب فاتح العالم حسب تعبير بعض الشعراء.

والحياة بالحب حياة بمعنى الكلمة، وسعادة وطمأنينة، وراحة، وارتياح الروح.

وبالحب قامت السماوات والأرض، وبه تُداعب الشفاهَ البسماتُ، وتهب في الفجر النسمات، وتتغرد الأطيار بالنغمات، وينشد الحمام إلياذة الفراق على أطراف الأوراق، وبه تسهر الأم لرضيعها سواد الليل، ويكدح الوالد بياض النهار لأولاده، وبه رونق الـعـالـم وبهاؤه، وحسنه وإحسانه، وهدوؤه وجماله، ورقيه وازدهاره {رخاء حيث أصاب}.

وللحب سحره وحرارته، وحلاوته وطراوته، وجاذبيته وتأثيره وأعاجيبه ومعجزاته.

حلل من السحر الجميل وموكب

 من روعة الإيحاء والإغراء

فالحب يعالج قلب المعاند ويخاطب فطرته، ويدغدغ مشاعره، ويلطّف أحاسيسه ويهدّئ سعاره، فيعود حليماً صفوحاً مسامحاً، خاضعاً لقوته -قوة الحب- مستسلماً لسلطانه {فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٍّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: ٣٤ – ٣٥]

وهو -الحب- أنشودة عذبة لمهرجان الإنسانية، ونجمة متلألئة في سماء المسيرة الإنسانية العالمية، وضرورة كل إنسان ما تعاقب الحدثان!

ثم الحب أنواع:

– الحب الإلهي: وهو حب المؤمن لربه خالق السموات والأرضين {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [البقرة : ١٦٤].

 وهذا هو أسمى أنواع الحب، فسمو الحب بسمو المحبوب، وشرف العلم بشرف المعلوم.

فهل هناك أسمى وأعظم من الله؟!

وكل محبة في الله تبقــــــــــى

 على الحالين من فرح وضيق

 وكل محبة فيمـا ســـــــواه

 فكالحَلَفاء في لهب الطريق

– الحب النبوي: وهو حب المؤمن لصاحب المنة الكبرى سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

–  الحب الإنساني: وهو حب الإنسان لوالديه وأولاده وإخوانه وأقربائه وما إلى ذلك..

– الحب الحيواني: وهو العشق الجنسي (خالي الوفاض من أي خير حالاً، على جرف هار مآلاً).

أما الحب الإلهي ففيه ضراعة المحب وشكر المحبوب.

 أما الحب النبوي ففيه اتباع المحب وتوقير المحبوب صلى الله عليه وسلم ونعته والامتنان له.

أما الحب الإنساني ففيه نصح المحب وإيناس المحبوب.

أما الحب الحيواني: ففيه مراوغة المحب ولؤم المحبوب (حشفاً وسوء كيلة)

فالحب الحقيقي طاهر طهر الملائكة، سامٍ سمو السماء واسع سعة الفضاء.

ولكن الظالمين ضيقوا دائرة “الحب”، ولوثوا سمعته، واعتدوا على قداسته.

ألا، فتبّا وسحقاً للذين ظلموا هذه الكلمة العذرية الطاهرة.. وألحقوا بها من العار والشنار ما ألحقوا، وجنوا عليها جناية لا تغتفر، وحصروا مدلولها في معنى غريزي، بهيمي حيواني مبغوض مرذول، فهو مدلول خبيث نجس مبتدع {فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٨).

إن هذا المدلول الجنسي لهذه الكلمة البريئة.. وإن كان هو المراد المفضل عند دعاة الرذيلة، وأرباب الفضيحة ولصوص الشرف وقطاع العفاف وكلاب الشهوة، ولكنه عند زعماء الأخلاق، وأرباب الصلاح ورواد الفضيلة، مردود مرفوض مقطوع.. مقطوع الخير والبركة والبر. فالحب – أصلاً – حب سماوي علوي، قرآني محمدي، وهو سيما الربانيين، وطبيعة الصالحين، ومزاج المحسنين، المراد بالمحسنين هنا من أشار إليهم حديث جبرئيل المشهور: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنك يراك».

الحب الذي صفا من كل شائبة من شوائب النفس البشرية.

الحب الذي يُسقى بماء الإخلاص والنقاء.

هذا هو الحب الذي يرضى عنه علام الغيوب.

 والأصل الأعظم في هذا هو قوله تعالى: {يحبهم ويحبونه}

[المائدة: ٥٤].

وبمثل هذا الحب التقي النقي تصلح القلوب، وتطهر النفوس، وتعمر البيوت، ويسود الهدوء، وتعم الفرحة والبهجة.

وبه يقوم صرح السلام، ويرتفع حصن الأمان، وترفرف رايـة السعادة والوئام، ويحفظ من الدمار، وبه تنجح الدعوات والرسالات، وتحقق المقاصد والغايات، وبه نشر المسلمون الإسلام، فسادوا وقادوا، وبنوا وعمروا.

وبه يفتح باب الخير على مصراعيه.

وصاحبه في أمان، وروحه في حرز مكين، ومأمون من الآفات والشرور:

ألا ليت الشرور   بلا نقاط

وليت الحرب كانت دون راء

(الأحد: ١٦ من رجب ١٤٤٥ھ – ٢٨ من يناير ٢٠٢٤م ) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights