نماذج من التعبيرات النبوية المبتكرة
1- هدنةٌ على دخنٍ. (١)
2- حمي الوطيسُ. (٢)
3- بُعثتُ في نفس الساعة. (٣)
هدنة على دخن
الهدنة: الصلحُ والوداعة، والدخن: تغيُّرُ الطعام إذا أصابه الدخانُ في حال طبخه فأفسد طعمه.
وهذه العبارة لا يعدلها كلامٌ في معناها، فإن فيها لونًا من التصوير البياني لو أُذيبت له اللغة كلها ما وفت به.
ذلك أن الصلح إنما يكون موادعةً ولينًا وانصرافًا عن الحرب، وكفًّا عن الأذى، وهذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة.
فإذا بُني الصلح على فسادٍ، وكان لعِلّةٍ من العِلل، غلب ذلك على القلوب فأفسدها، حتى لا يُستروح غيرُه من أفعالها، كما يغلب الدخنُ على الطعام فلا يجد آكله إلا رائحةَ هذا الدخان، والطعامُ من بعد ذلك مشوبٌ فاسد.
فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوبُ الواغرة.
وثمَّ معنى آخر، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها، وكانت سرَّ البيان في العبارة كلها، وبها فَضَلَت كلَّ عبارةٍ تكون في هذا المعنى.
وذلك أن الصلح لا يكون إلا أن تُطفأ الحرب، فهذه حربٌ قد أُطفئت نارُها بما يكون فيها نارًا أخرى، كما يُلقى الحطبُ الرطبُ على النار، تخبو به قليلًا ثم تستوقد فتستعر، فإذا هي نارٌ تلظّى، وما كان فوقه الدخانُ فإن النار ولا جرم من تحته.
وهذا كله تصويرٌ لدقائق المعنى كما ترى، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها معنى من المعاني يمكن أن يُتصوَّر في العقل إلا وجدتَ اللونَ البياني يصوره في تلك اللفظة: الدخن. (٤)
حمي الوطيس
هذه عبارة لم تُسمع من أحدٍ غير الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنْ أتينا بعبارةٍ تشبهها في المعنى، لقلنا: استعرت الحرب، ولكن عبارتنا هذه ليست بالغةً من وصف المعنى ما تبلغه: حمي الوطيس.
والفرق بين العبارتين أن الوطيس هو التنور، وهو موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يُخيِّل إلى السامع أن هناك صورةً شبيهةً بصورته في حَمْيِها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا: استعرت الحرب أو ما جرى مجراها. (٥)
قال الرافعي: “هو التنورُ مجتمعُ النار والوقود، فمهما كانت صفةُ الحرب فإن هذه الكلمة بكل ما يُقال في صفتها، وكأنما هي نارٌ مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلاً، وكأنما هي تمثل لك دماءً ناريةً أو نارِيَّة”. (٦)
بُعث في نفس الساعة
من العبارات العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها، لأن المراد بذلك أنه بُعث والساعةُ قريبةٌ منه، ولكن قربَها منه لا يدل على ما يدل عليه النَّفَس، وذلك أن النَّفَس يدل على الساعة منه بحيث يُحَسّ بها، كما يُحِسّ الإنسانُ بنفسِ من هو إلى جانبه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في موضعٍ آخر:
«بُعثتُ أنا والساعةُ كهاتين»، أو: «والساعةُ قريبةٌ منه».
المعنى واضح، أن الساعة آتيةٌ حتمًا لا شكَّ في ذلك أبدًا، وأن ما بقي من عمر الدنيا ليس شيئًا مما مضى.
فكل ما مضى من التعبيرات والأساليب البيانية النبوية مما ابتكره أبلغُ البلغاء العرب، سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يطرق مثلُه أُذنَ أحدٍ قط قبله صلى الله عليه وسلم، ولا سُمِع مثلُه بعده من غيره.
وصدق الرافعي حينما قال:
“وقلَّما يتفق ذلك الضربُ من الكلام في العربية من الغرابة البيانية إلا في القرآن الكريم والبلاغة النبوية”. (٧)
الهوامش:
(١) سنن أبي داود (٤٢٤٦).
(٢) محمد الأزدي: كتاب المجتنى، ص ١٣.
(٣) رواه الترمذي.
(٤) الرافعي: تاريخ آداب العرب، ٢/٣٤٨.
(٥) ابن الأثير: المثل السائر (تحقيق الحوفي)، ١/٩٦.
(٦) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص ٢٢٣.
(٧) تاريخ آداب العرب، ٢/٣٥٣.







