(18) اعرف زمنك:
يقال: “من لم يعرف أهل زمانه فهو جاهل”، وأيضًا قالوا: “علّموا أولادكم لزمنهم فإنهم خُلقوا في زمان غير زمانكم”، فلابد للعالم أن يكون على معرفة تامة بمتطلبات العصر وتغيراته وتطوراته، ولا يعش في البرج العاجي، فهو مسؤول عن حل مشكلات العصر وإرشاد أهله إلى ما ينفعهم ويُقنعهم ويرد على أسئلتهم التي تثيرها التكنولوجيا المعاصرة والقضايا الحديثة.
(19) كن ذا عزيمة:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
من أعظم شروط النجاح الثباتُ والعزم والجزم: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [آل عمران: 159] فالاضطراب والتردد والإرباك والحيرة تؤدي إلى الفشل والإخفاق:
اطــرح ليتــــًا وســـــوفًا ولعـــــل
وامض كالسيف على كف البطل
فإذا اخترت -مثلًا- تخصصًا بعد ما قلبت النظر فيه، وأعطيته حقه من الدراسة والتأمل والمشاورة والاستخارة، فامض فيه قدمًا.. بلا تردد ولا تأخر، ولا يأخذك القلق، أو الحيرة فيه، ولا تصبك فيه الوساوس والظنون، فصاحب العزيمة والشجاعة إذا اتخذ القرار، وصح عزمه على أمر.. توكل على الله، ومضى لسبيله غير ملتفت يمنة أو يسرة، ولم يبال بالعواقب، وتمثل بقول الشاعر:
إذا همّ ألقى بين عينيه همّه
وأعرض عن ذكر العواقب جانبًا
أو يكون حالك كما قال الشاعر:
سقوني وقالوا: لا تغن ولو سقوا
جبال سليمى ما سقوني لغنّت
(20) حاسب نفسك:
احتفظ بمذكرة لديك، لتحاسب بها نفسك، وتذكر فيها السلبيات الملازمة لك، وتبدأ بذكر التقدم في معالجتها، قال عمر: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر».
ثلاثة أخطاء تتكرر في حياتنا اليومية:
الأول: ضياع الوقت.
الثاني: التكلم فيما لا يعني: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
الثالث: الاهتمام بتوافه الأمور، كسماع تخويفات المرجفين وتوقعات المثبطين، وتوهمات الموسوسين، كَدَرٌ عاجل، وهمٌ معجّل، وهو من عوائق السعادة وراحة البال، يقول امرؤ القيس:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي
وهل يعمَنْ من كان في العصر الخالي
وهل يعمَنْ إلا سعيدٌ مُنعّم
قليل الهموم لا يبيت بأوجال
علّم الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس دعاء يجمع سعادة الدنيا والآخرة.. وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك العفو والعافية».
(21) كن سبّاقًا دائمًا:
نعم! لابد أن تستمر في محاولة للوصول إلى أعلى المراتب وأقصى الدرجات من المجد والعظمة… عبر الجهاد والكفاح والتضحية بالنفس والنفيس، والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه حثنا على أن نكون متميزين أصحاب فضل وتفرد، فقال: «كونوا كالشامة بين الناس يشار إليكم بالبنان». (1)
وقال – أيضًا – في أسلوب معتز متحدث بفضل الله وآلائه: «أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبش». (2).
وقال مصطفى صادق الرافعي -وهو يحث على الإبداع والابتكار-: [إن لم تزد شيئًا على الحياة… كنت أنت زائدًا على الحياة].
وقالوا: [الذي لا ينفع نفسه لا ينفعه الآخرون، ومن لم يتقدم يتقادم، ومن لم يتجدد يتبدد].
فإلى الأمام والأمام..
وبَدار.. بدار.. إلى التقدم والازدهار!
(22) كن عصاميًّا:
الناجحون أو العظماء نوعان:
النوع الأول: من العظماء من يعتمد على النجاح أو العظمة التي يرثها من آبائه الأكرمين، فيحرزها دون قتاد يؤذٰى به أو شوكة يشاك بها، أو قطرة عرق يذيبها، أو جهد جهيد يبذله.. فمثل هذه العظمة ليست بعظمة حقيقية.. وإنما هي عظمة دون عظمة!
والنوع الثاني: من العظماء من يبني عظمته بكد يمينه وعرق جبينه، وقد قال الحكماء: ” العظيم يبني النجاح من النجاح، والأكثر عظمة يبني النجاح من حطام “، وقد سموا النوع الأول من العظماء بـ: “عظامي”، والثاني: بـ: “عصامي”، فالعصامي الذي تكون عظمته أصيلة خالصة، جناها ثمرة يانعة لبذور الاجتهاد المتواصل، والعمل الدائم، والسهر المستمر التي زرعها هو نفسه، ثم تعهدها بالسقي والري، حتى حصدها حبوبًا كريمة، وقطفها ثمارًا يانعة من النجاح والعظمة والسمو والعلو، أما العظامي فهو من يعتمد في نجاحه وعظمته على آبائه الذين صاروا عظامًا.
ثم “العصامية” مثل قاله الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني في عصام (حاجب النعمان بن المنذر ملك الحيرة):
ونفسُ عصام سوّدت عصاما
وعلّمَتْه الكرّ والإقداما
وهذا المثل يضرب لمن: يعتمد بعد الله على مواهبه وقدراته في تصريف الأمور بكل حنكة مستخرجًا ما وراء الأكمة، لذا كانت العرب تقول: أنت عظامي أم عصامي؟ فالعظامي من يفتخر بآبائه دون أن يصبح ذا همة عالية، والعصامي من يعتمد على نفسه بعد الله دون الاتجاه للآخرين.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن من جمع بين العصامية والعظامية، فقد حاز المجد والظفر من جميع أطرافه، لذا قال المتنبي:
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله
فماذا تغني كرام المناصب
وقال البحتري:
إن النجابة لا يكون تمامها
لنجيبة قوم ليس بابن نجيب
وعندما سأل الحجاج أحد الرجال عنده مختبرًا إياه: أعصامي أنت أم عظامي؟ فقال: عصامي عظامي! فأعجب الحجاج بحسن إجابته وتخلصه، وجعله من خاصة نفسه.
فينبغي للحر الغيور أن لا يقتنع بالعظمة الموروثة البالية العظامية، بل يضيف إليها: “أصالة العظمة” التي يحصدها بجهده الشخصي وكدحه الذاتي.
الهوامش:
(1) أخرجه أبو داود (4089) بلفظ: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس لله».
(2) رواه أنس بن مالك في الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، وقد تكلم فيه المحدثون، ولكن المعنى صحيح.
هذا. واستفدنا في كتابة هذا المقال من: “لا تحزن” للقرني. أيضًا.
(الجمعة: 17 من محرم 1448ھ = 3 من يوليو – حزيران – 2026م)







