(9) اصنع الحياة بعلو الهمة
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
ما هي الهمة؟
هي – كما قال بعض الأدباء – توَقُدُ القلب، واستسهال الصعب، وركوب الخطب، فالعذاب بالهمة عذب..
ومن عنده همة عارمة، وعزيمة صارمة.. اقتحم بها أسوار المعالي، وصار تاريخه قصة الليالي.
ولا بد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها، ولابد للعزائم المتوثبة أن تدرك مرغوبها، سنة لا تتبدل، وقضية لا تتحول..
الحياة صناعة، وخير صناعها العابدون العاملون المجاهدون المكافحون المناضلون.
تعني صناعة الحياة – في مفهومها العميق – إدارة دفتها بمهارة صاحب صنعة محترف يدرك أسرار صنعته، ويحذق أدق تفاصيلها، وهذه مهمة المسلمين العابدين العاملين على مدى تاريخ الأمة الإسلامية، إذ كانوا – دائمًا – صُنّاع الحضارات بل سنّوا سننًا حسنة، كانت – ولا تزال – متبعة ومأخوذًا بها.
وحتى تعود الأمة إلى مقدمة الأمم، لابد أن تنفض عنها غبار الكسل والتهاون، وهذا لا يتم حتى يعرف القادرون المقصرون والعاملون الجاهلون دورهم الحقيقي في هذه الحياة، يقول الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام
ودوّن لنا التاريخ – بمداد من ذهب – مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” أعوذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة “.
فكم من أصحاب علم تهاونوا، ولم يعملوا بعلمهم، وكم من ثقات أصابهم الوهن والعجز، وصار التخاذل ديدنهم، وعندما يتخاذل المؤمنون الثقات عن دورهم في صناعة الحياة تكون الساحة خالية للفاسق الفاجر الذي يصنع بجَلَده سننًا، ويخط مسارات يحتذي بها كثير من الضعفاء والكسالى:
ومن هنا.. أتساءل: من منا فكر في أن يكون ذا هدف في هذه الحياة، وحرص دائمًا على أن يكون من أصحاب الهمم العالية والنفوس الأبية الشامخة..؟ وتمثل بقول الشاعر:
لكل امرئ غرض يسعى ليدركه
والحر يجعل إحراز العلا غرضه
من منا طاول بنفسه عنان السماء، وتسلق بهمته الجبالَ الشاهقات، واستهون المستحيل، وجازف وبذل وضحّى:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
ومن منا فطن إلى أن الحياة لا تصفو دون كدر، ولن تنال، وتصفو مشاربها دون كد وتعب، وعلى قدر الكد يكون الكسب:
بقدر الكد تكتسب المعالى
ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم المجد ثم تنام ليلًا
يغوص البحر من طلب اللآلي
و:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
أو ترضى – يا طالب المجد والعظمة – أن تكون من أصحاب الهمم الدنيئة الخسيسة التي ترضى بالهوان، وتأبى إلا أن تعيش في الحفر، وبين الأنفاق وعلى هامش الحياة؟!
لا والله! إني لا أرضاها لك، بل وأرفض كل صاحب همة خسيسة لا تدفعه همته إلى استغلال وقته بما ينفع، بل ترديه في الشهوات والملذات.
إن حال خسيس الهمة واضح في هذه الحكاية، إذ يروى أن الكلب قال للأسد: يا سيد السباع غيّر اسمى! فإنه قبيح، فقال له: أنت خائن لا يصلح لك غير هذا الاسم، قال فجربني، فأعطاه شقة لحم، وقال احفظ لي هذه إلى غد، وأنا أغير اسمك، فجاع الكلب وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر، فلما غلبته نفسه، قال: وأي شيء باسمي، وما كلب إلا اسم حسن، وأكل اللحم.
يعلق ابن القيم قائلًا: وهكذا خسيس الهمة، القنوع بأقل المنازل، المختار عاجل الهوى على أجل الفضائل.. فاللّٰه اللّٰه في طريق الهوى إذا ثار.. وانظر كيف تطفئه.
إن دورنا في هذه الحياة هو أن نكون قادة مؤثرين مغيرين متفاعلين مع المجتمع وهمومه، قادة هَمُّهُم أُمّتُهُم ورفعتُها ومجدها، قادة يهتمون بتأهيل مجتمعاتهم وإحداث نقلات كبيرة تنفض عنها غبار الذل والهوان.
وهذا لن يتأتى إلا إذا عزمنا على بناء ذواتنا، وتأهيل أنفسنا، وتطوير مهاراتنا، التي تجودها الخبرة المكتسبة المتراكمة.
ومتى ما استطاع الإنسان أن يروض نفسه، ويكبح جماح هواها، ارتقى بنفسه إلى أعالي المجد.
جاء في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني». رواه الترمذي.
ويقول عمر بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى: ” إن لي نفسًا تواقة كلما وصلت إلى شيء تاقت إلى ما هو أعلى منه”.
وفى هذا إشارة واضحة إلى أن النفس الطموح ذات الهمة العالية هي الفائزة والرابحة والمبدعة دائمًا، وقد اتضح من خلال الدراسات الإدارية والنفسية الحديثة أن أول عامل من عوامل النجاح والإبداع هو التفوق على النفس والنظر إلى الأمور بإيجابية نابعة من ذات الانسان.
وقد قيل: همة الإنسان على حسب ما أهمه، وعلوها على حسب مطلبها في الحياة، والقمم تمنحها الهمم.
فالبدار البدار – يا هواة النجاح – وحاولوا أن تنفضوا عن أنفسكم التقاعس، والتهاون، وكونوا من أصحاب الهمم الشامخة الطامحة إلى المعالي، التي دأبها الإصلاح والتغيير والبناء، تلك النفوس التي تدرك أن رفعتها وازدهارها من رفعة مجتمعها وازدهاره.
والناجح من نجح في ترك أثر في حياته، وسن طريقًا وخلد مجدًا عظيمًا بعد مماته:
وكن رجلاً إذا أتوا بعده
قالوا مر وهذا الأثر
واجعلوا نصب أعينكم قول مصطفى صادق الرافعي: ” إن لم تزد شيئًا على الحياة، كنت أنت زائدًا على الحياة “، وقول المتنبي أيضًا:
يقولون لي: ما أنت؟ في كل بلدة
وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
فعلو الهمة الحجر الأول والأساسي في الوصول إلى العظمة والنبوغ والمجد الخالد العظيم، وهو -علو الهمة- من علامات كمال العقل، والراضي بالدون دنيء.
فإذا أعطي العبد همة كبرى، ارتحلت به في دروب الفضائل، وصعدت به في درجات المعالي.
يقول الشيخ عائض القرني:
” من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، وجلالة المقصود، وسمو الهدف، وعظمة الغاية، فالهمة هي مركز السالب والموجب في شخصك الرقيب على جوارحك، وهي الوقود الحسي والطاقة الملتهبة، التي تمد صاحبها بالوثوب إلى المعالي والمسابقة إلى المحامد، وكبر الهمة يجلب لك – بإذن الله – خيرًا غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور، تنافس الروادَ في الفضائل، وتزاحم السادةَ في المزايا، لا ترضى بالدون ولا تقف في الأخير، ولا تقبل بالأقل، وبالتحلي بالهمة يسلب منك سفساف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان، والتملق، والمداهنة، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمَه الفهاهة.
(سيكتمل الحديث عن الهمة في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى)
(الأربعاء: 21 من رمضان المبارك 1447= ١11من مارس – آذار – 2026م)







