أيّها الوطنُ الجميل كجريمةٍ قديمة،
أيّها الجسدُ المذبوح علي خرائط الطغاة،
كم مرّةً ستُبعثُ لتُصلب من جديد؟
العبيدُ فيك عشقوا سلاسلهم،
زيّنوها بالورود، وحملوها إلي صناديق الاقتراع كأنّها مفاتيحُ الفردوس.
صفّقوا للجلّاد حين رفعَ العصا،
وهتفوا باسمه حين سرقَ الخبزَ من موائدهم،
ثم عادوا إلي بيوتهم يلعنون الظلام،
وقد نسي كلٌّ منهم أنّه هو من أغلقَ النافذة.
في كلّ تاريخٍ مأساةٌ تتكرّر حتي تصير نشيدًا وطنيًا.
سقوطُ ميليتوس لم يكن علي يد الفرس، بل علي يد خوفها.
وبغدادُ لم تسقط يوم دُكّت أسوارُها،
بل يومَ صدّق الناس أنّ ظلّ الله
هو ظلُّ لصٍّ يختبئ في قصرٍ ذهبي.
المدنُ لا تُحتلّ من الخارج،
بل تُغتصب من الداخل حين تخون نفسها.
ها هي الوجوهُ القديمةُ تعود من شقوق الذاكرة؛ نفس الأصوات التي وعدت بالفجر فأنجبت ليلًا بلا نجوم،
نفس الأصابع التي لطّخت الورقَ بالحبر
فكتبت شهادةَ موتٍ جديدةً للوطن.
الشعبُ العظيمُ في مأساته،
يري اللصَّ يثري فيحسده علي ذكائه،
ويري الشريفَ يُسجن فيتّهمه بالغباء.
صار الذلُّ فنًّا،
والسكوتُ صلاةً،
والخيانةُ مذهبًا رسميًا في الأخلاق.
قال نيتشه:
( من يحيا طويلاً في القاع، يبدأ في عشق الظلام )
وأنا أقول:
من يحيا طويلاً في بلادي،
يتعلّم كيف يضحك في جنازته.
لكن حتي في القاع، ثمة شرارةٌ صغيرةٌ تتغذّي من الرماد. أولئك الذين ما زالوا يكتبون بأصابعهم المكسورة،
الذين يصرخون في وجه الخراب،
هؤلاء هم آخرُ رسلِ الوعي،
آخرُ خيطٍ بين الله والإنسان.
مباركٌ لكم أيّها الساجدونَ للجلّاد،
فقد فاز مرشّحكم: الذلُّ المطلق.
ومباركٌ لكم هذا البلد الذي تحبّونه
كما يحبّ السجينُ زنزانتَه.
اشربوا نخبَ خيبتكم،
وارقصوا علي أنينِ أرضِكم،
فقد صارت المأساةُ فنًّا،
والعارُ عيدًا وطنيًا.
لكن لا تفرحوا كثيرًا.
ففي مكانٍ ما،
طفلٌ لم يولد بعدُ
يبلُغ من صمتنا حدَّ الصراخ.
يذوب رمادَ الخيبة
ويصنع منه مطرقةَ ضوء،
وسيطرقُ بها جدارَ التاريخ.
حينها سيتذكّر الجميع أنَّ العراق،
وإن سُرق ألف مرّة،
يبقي اللصُّ الحقيقي هو الموت
لأن الحياةَ فيه لا تموت.


