. – في يوم 17 فبراير 2016م، طوى الموت صفحة رجلٍ ظلّ عقودًا يكتب التاريخ بالحِبر الذي يختاره، لا بالحِبر الذي يسيل من جِراح مصر.
– مات محمد حسنين هيكل، لكن التأريخ المزيّف الذي صاغه؛ ما يزال يبحث عمّن يراجع حقيقته، ويعيد كتابته.
– كان يُقدَّم بوصفه “الأستاذ”، وتُفرش أمامه الميكروفونات كما تُفرش السجّادات الحمراء للملوك العائدين من الفتوحات، غير أنّ الفتوحات هنا لم تكن سوى براعةٍ في تبديل الأقنعة، ومهارةٍ في الوقوف دائمًا في المنطقة الأكثر دفئًا من المشهد؛ حيث لا تصلك رصاصة، ولا يفوتك التصفيق.
– كان هيكل يتقن لعبة المسافة: يقترب بما يكفي ليُهمس في أذن الحاكم، ويبتعد بالقدر الذي يسمح له بإنكار الهمسة إذا انقلبت الريح.
– حوّلَ الصحافة إلى مسرح كبير، يقف فيه في المنتصف، لا بصفته شاهدًا على العصر، بل بصفته مخرجًا للمشهد.
– وإذا كانت الهزائم تُثقِل على الشعوب، فإنها عنده قابلةٌ لإعادة الصياغة؛ تُقصّ أجنحتها، وتُصبغ بلونٍ أقلّ سوادًا، ثم تُقدَّم في قالبٍ تحليليٍّ أنيق، يخفّف من وطأة الحقيقة حتى تكاد تبدو سوء تفاهم.
– لم يكن خصمه المباشر شخصًا بعينه، بل كانت الحقيقة نفسها؛ تلك التي لا تُجامل، ولا تتلوّن، لذلك ظلّ بارعًا في إعادة ترتيب الوقائع، بحيث تبدو الهزيمة “نصرًا سياسيًا”، ويغدو التراجع “حكمةً تاريخية”، ويصبح الانقلاب في المواقف “قراءةً جديدة للمعطيات”، وما أكثر المعطيات حين يحتاج الكاتب إلى مخرج!
– عاش طويلًا؛ طويلًا بما يكفي ليرى وجوهًا تتبدّل، وأنظمةً تتساقط، وأجيالًا تولد وهي تسمع اسمه مسبوقًا بهالةٍ من التقديس، لكن طول العمر لا يمنح البراءة، كما أن كثرة الظهور لا تعني صِدق الحضور.
– مات الرجل، وبقي السؤال معلّقًا في هواء الذاكرة:
هل كان مؤرّخًا للسلطة أم مؤسِّسًا لأسطورتها؟
هل كان يكتب ما حدث، أم ما ينبغي أن يُروى؟
هكذا تُغلق الصفحة، لكن الهامش ما يزال مفتوحًا.. وفي الهامش وحده، تُقال أحيانًا الحقيقة التي ضاقت بها المتون.
…………
(هذا المقال الساخر نشرته في كتابي: “بين شهيق وزفير” من حوالي 20 عاما، ونشرته بعد ذلك مع بعض التعديلات في صحف ومواقع عربية، قبل وفاة هيكل بأسبوعين)
الصنّاجة
كان صديقي المؤرّخ العظيم “عبد الرحمن الجبرتي” مُتّكِئًا على سيارته (الكاديلاك)، يداعب تليفونه المحمول، عندما قفزتُ من فوق ناقتي لأسأله عن رأيه في أمير الصحفيين وسلطان المثقفين: (محمد حسنين هيكل).. صنّاجة العصر.. والمغرب والعشاء كمان..
فأغلق (الجبرتي) الموبايل، وخلع نظارته (الريبان)، ونظر إليّ من أعلى إلى أسفل، ثم أطلق ساقيه للريح، لتتبعه ناقتي، وخلفها كل كلاب القبائل، وهي تنبح..
وعندما مددتُ يدي لأرفع نظارة الرّجُل التـي قذف بها أثناء فراره؛ كان صوت (جرس المنبه) يَحُول بيني وبين تكملة هذا المشهد المنامي.. لأعود إلى سيناريو الحياة المملّ..
وأمامي علامة الاستفهام الكبيرة..
ماذا يريد هيكل؟
أمَا آن له أن يخلع هذا الجلباب الزائف، بعد أن بلغ من العمر عـتـيًّـا ؟
23 سبتمبر 1923م ..هبط هذا البلاء على الأرض..
لقد بلغ الرجل من العمر أرذله،
لا يسجد لله قط، ولا يعرف الصيام، ويسخر من شهر رمضان …
هامان كل العصور …
أسطورة بشرية تاريخية تفوق بمراحل: قابيل، وقاتل ناقة النبي صالح، والنمروذ، والوليد بن المغيرة، وعمرو بن هشام …
هو (أشطر) صحافي أنجبته أمة العرب في تاريخها، وهو سيّد المثقفين مثل إبليس الذي تروي مصادر التراث أنه كان أعلم أهل السماء والمثقف الكبير، ولذا كان يجلس مع الملائكة للتدارس والعِلم.
لو جاءت كل الأمم السابقة بطغاتها؛ وجاءت أمتنا بهذا الرجل؛ لرجحتهم جميعا …
ظل يتملّق السادات بعد وفاة جمال، ولكن الداهية أنور السادات كان يجيد قراءة الأحداث والمشاهد والبشر، فركله بعيدًا …
وبدأت لعبة (سيب وانا اسيب) ..
حتى كان اعتذاره للسادات أمام جموع الحاضرين في نادي الصيد بالإسكندرية، يوم الجمعة 25 أغسطس 2000م؛ ليس اعترافا بخطأ، أو حُـبًا للسادات نَبَتَ فجأة، وإنما كان مداعبة لأصدقائه اليهود: (إنني سعيد اليوم وبأثر رجعي بما فعله السادات في “كامب ديفيد” عام 1978م، لأنه أنهى ارتهان أرضٍ مصرية كانت سوف تظل كذلك) ..
إن اعتذارك يا أستاذ هيكل يجب أن يكون لله، ثم للأمة العربية بأسرِها،
فقد صنعتَ تمثالاً لـ جمال .. ما زال الحمقى يعبدونه .. وخَرَجَ من الجحور والمستنقعات وبالوعات المجاري وأكوام القمامة، ما يُسمّى “الفِكر الناصري”.. يقدّسون جمال ويرونه آخر الأنبياء!!
فالتطرف الفِكري في جميع المذاهب والمِلل والأيديولوجيات؛ هو مصنع الشر والغباء..
لقد حرقتَ يا سيادة الكاتب الموسوعي مساحات شاسعة من تاريخ هذا الوطن؛ لأنها ضد الأيديولوجية الهيكلية..
جعلت من هزيمة 1967م، نصرًا سياسيًا للزعيم المتنحّي..
ومن الأهرام التـي كنت تقودها (بعكوكة) بيانات عسكرية أضحكت علينا العالم، وهو يقرأ عن الجيش المصري المتقدم نحو (تل أبيب) وآلاف الطائرات التـي أسقطناها، والدبابات التـي مضغناها، في الوقت الذي كانت فيه دماء عشرات الآلاف من جنودنا في رمال سيناء؛ تشكو إلى الله كل الذين تسببوا في هذه المأساة التـي لم يحدث مثلها في تاريخ الإنسانية،
فهل أنهار الدماء المصرية التـي سالت، والأرض التـي اُغتُصِبت، أهون وأرخص من إيذاء مشاعر الزعيم المهزوم؟
وهل كانت حرب أكتوبر مجرد تمثيلية مُتفق عليها كما تزعم؟!
خرجتَ بعد مقابلتك للدكتور محمد مرسي؛ تكيل المديح له، وتمطرنا بحكمة الرجل وعبقريته، ومستقبل مصر المشرق على يديه … ولم تمض سويعات؛ ورأيناك على شاشات الفضائيات تُزمجِر وتحذّر من خطر الإسلام السياسي، وترفع وريقات “جوبلز” تلميذك، وابنك الروحي!!..
وما زلت تحمل (كشكول) الخمسينيات، تبعثر سطوره في سوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس …
91 سنة يا رجل
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمثالك:
أشرّ الناس؛ من طال عمره وساء عمله ….(رواه الترمذي)
91 سنة يا رجل …
ألم تتعب؟
ألا تتعظ؟
ألا تخاف الله؟
ألهذا يا سيّدي الكاتب الكبير، وأنت الذي تعطس في لندن؛ فـيُـشَـمّـتكَ (الكيبوتز الناصري) في مصر المحروسة.. بعد أن داس على التاريخ والجغرافيا، فسقطت منه ورقة التوت، وأصبحنا لا نعرف أين الثور؟ ومَن المصارِع؟


