ليس مَن سمع كمَن رأي، ولو لم أكن سمعتُ وشاهدتُ ما صدَّقتُ. في مقابلة تليفزيونية أذيعت ليل الثلاثاء الماضي، وضمن رحلة تطوافه على الفضائيات المصرية لتسويقه إعلاميًا.. تحدث رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية الجديد عن إشكالية في غاية الخطورة، وهي قضية نسب الطفل.
القاضي “الجليل” قطع بأنه ليس من حق الأب -في القانون الجديد- أن يُشكك في نسب ابنه أو يُجرى له تحليل «دي إن إيه» بعد أكثر من أسبوع من ولادته.. هكذا قال نصًّا، وبهذا تحدث حرفيًا، في عبارات لا تحتمل تأويلاً ولا تفسيرًا. حقيقة الأمر لم أصدق أذنيَّ ولا عينيَّ.. ما هذا يا رجل؟!
في عام 1986 ومن واقع قصة حقيقية.. قدمت السينما المصرية فيلم «الجلسة سرية» من بطولة محمود ياسين ويسرا وشهيرة وسمير صبري. وفي نهاية أحداث الفيلم.. يكتشف البطل “محمود ياسين” أن ابنه -الذي كان قد شبَّ عن الطوق- ليس ابنه؛ بعدما اكتشف بالصدفة أنه عقيم لا ينجب، وأن هذا الطفل ثمرة علاقة محرمة بين زوجته “يسرا” وصديقه المقرب جدًا “سمير صبري”!
وخلال الأعوام الماضية.. تداولت الصحف المصرية وقائع عديدة مشابهة، من بينها: واقعتان مريرتان، كان البطل في كل منهما هو الأب المخدوع الذي يكتشف بعد سنوات من التنشئة والتربية والتعليم أن أبناءه الأربعة (نعم أربعة) ليسوا من صُلبه؛ لأنه مثل بطل فيلم «الجلسة سرية» غير قادر على الإنجاب، وأن الزوجة أنجبتهم سفاحًا من علاقات متعددة!!
وعلى خلفية هذه السلسلة من الوقائع التي بدت غريبة على المجتمع المصري، تجرأ أحد الأشخاص واقترح ضرورة إجراء تحليل البصمة الوراثية للجنين فور ولادته وقبل تسجيله رسميًا؛ للتأكد من صحة نسبه، وتجنبًا لخلط الأنساب، ولكن النسويات يومئذ انتفضن ضده أيما انتفاضة، وطالبن بحبسه أو إبعاده خارج البلاد.. وهكذا يفعلن مع كل معارض لتوجهاتهن، أيًا كانت مشروعيتها ووجاهتها!
بالعودة من جديد إلى حديث رئيس لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية (المتعاطف جُملة وتفصيلاً مع عموم النساء)، فإن كلام الرجل بأنه بعد مرور أسبوع واحد على الولادة، لا يحق للأب تحت أي سبب أن يتشكك في نسب الصغير إليه، أو أن يُجرى له تحليل الـ«دي إن إيه»؛ ليطمئن قلبه، لغو ساقط، لا يستقيم شرعًا ولا عقلاً ولا خلقًا.. ولا حتى قانونًا، ويعكس نوايا سيئة!
اللافت.. أن الذين انتظموا في الدفاع عن المواد العبثية الأخرى في مشروع القانون لم يرق لهم حديث الـ«دي إن إيه»، واتخذوه وقائله سخريًا، ثم إن كثيرًا من الذكور الذين دأبوا على الانتظام في قطعان الدفاع عن النسويات بالحق والباطل أعادوا طرح الاقتراح المرفوض آنفًا، وهو أن يكون هذا التحليل إلزاميًا منذ اليوم للولادة، وليكن ما يكون!!
اكتشاف الأب أن أبناءه ليسوا من صُلبه يمثل صدمة نفسية واجتماعية قاسية، وتداعياتها جسيمة.
والقانون القديم كان يوفر للزوج المخدوع المسارات القانونية لإثبات حقه وتمكينه من مقاضاة الزوجة، وإسقاط نسب الأطفال حال أكدت الاختبارات الجينية الحديثة أنهم ليسوا أبناءه.
إذا وضعنا هذه المادة العبثية إلى جوار المادة التي تنص على أن الغش في غشاء البكارة لا يمنح الزوج الحق في فسخ عقد الزواج، والمادة التي تمنح الزوجة الحق في فسخ العقد إذا لم تجد ما يسرها في الزوج نكون بصدد قانون نسوي عبثي غير أخلاقي، ما يتطلب عرض مواده الـ355 على لجنة من الحكماء الراشدين!
هذه المعطيات الآثمة تقودنا إلى السبب الرئيس في إبعاد الأزهر الشريف عن القانون -حتى الآن- والرغبة في قصر مناقشته على مجلس النواب الذي يُملَى عليه ما يقول، ولا يملك من أمره شيئًا.
الادعاء بأنه لا يحق لمؤسسة لأزهر التدخل عند إصدار قوانين الأسرة يخالف نص الدستور وروحه، ويغفل ما استقر عليه العُرف التشريعي في مصر؛ حيث تنص المادة السابعة من دستور 2014 المعدل سنة 2019 على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية.
وتعتبر قوانين الأحوال الشخصية من صميم الشؤون الإسلامية؛ لأنها مستمدة من مبادئ الشريعة التي نصَّت المادة الثانية على أنها المصدر الرئيس للتشريع؛ ومن ثم فإن عرض هذه القوانين على هيئة كبار العلماء بالأزهر التزام دستوري.
كما إن المادة 185 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب تنص على ضرورة استطلاع رأي الجهات التي أوجب الدستور أخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بمجال عملها قبل المداولة النهائية.
الدستور جعل للأزهر حق المراجعة الشرعية وإبداء الرأي ويلزم المجلس بعرض المشروع عليه وسماع ملاحظاته.
إقصاء الأزهر يحدث انفصامًا بين التشريع والمرجعية الشرعية التي ارتضاها الدستور، وعرض القانون عليه يحقق مقصد المادة الثانية ويمنع صدور نصوص تثار حولها شبهات المخالفة للشريعة. الاستعجال في «سلق» قانون أحوال شخصية مخالف لما استقرت عليه الشريعة الإسلامية لن يقود في الأخير إلا إلى مزيد من تخريب البيوت وتفكيك الأسر، ولكم فيما سبق ومضى المثل والأسوة والعبرة غير الحسنة.







