سوف أسلم لك بكل المصطلحات المطاطة والمرنة وسابقة التجهيز عن حرية الإبداع وعدم فرض الوصاية على الفن؛ فـ”هذا كلام معقول وجميل، مقدرش أقول حاجة عنه”.. ولكن افرض -مثلاً مثلاً- أن إسقاطات وإفيهات فيلم “برشامة” تركزت حول رموز العلمانية وقناعات العلمانيين..هل كان حراس العقلانية والباذنجانية سوف يلتزمون الصمت أو يغضون الطرف، ولا يعلنون الحرب على صُناع الفيلم، ويصمونهم بما ليس فيهم، ويحرضون على عدم الاستعانة بهم في أي أعمال أخرى، ويطالبون بحبس رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية ونقيب الممثلين ورئيس اتحاد النقابات الفنية والنقاد والجمهور؟
الإجابة ودون افتئات واعتمادًا على وقائع سابقة: لا وألف لا. هذه الطائفة النرجسية الإقصائية لا تقبل مساسًا برؤوسها ولا ذيولها ولا بقناعاتها وأفكارها؛ باعتبارهم خطوطًا حمراءً ومنطقة محرمة وحياضًا محظورة -(حلوة حياضًا دي وعميقة)- ولكنها تبيح لنفسها التنمر والتحرش والاستظراف على كل من لا ينتمي إليهم وينتظم في قطعانهم، علمًا بأن دماءهم أثقل من جبل المقطم. يستحيل أن تجد من بينهم إنسانًا ظريفًا خفيف الظل والروح والدم والحضور!
هذا الفصيل يكاد يطير من السعادة عندما يكون هناك عمل فني يسخر من الإسلام ويزدريه على أي مستوى، بل ويعمل على الترويج والدعاية له، ويصف القائمين عليه بأنهم فنانون كبار امتلكوا الجرأة على اقتحام عش الدبايير وطيور الظلام، ويجب تكريمهم في التو واللحظة. ولكن عندما تنقلب المعادلة، ولو صدفة غير مقصودة، تسمع الصياح من كل صوب وحدب، وتنطلق الاتهامات المجانية؛ فضلاً عن وصلات الردح والشرشحة الموصوفة كذبًا بـ”المقالات”، والغريب أنها مدفوعة ومُمولة من بيت مال المصريين!
الطريقة التي تم التعامل بها مع إسقاطات فيلم “برشامة”، وهي كثيرة ومقصودة وغير مبررة، ممن يحسبون أنفسهم على العصابة العلمانية والنخبة المثقفة، من إصدار بيانات وكتابة منشورات، عكست ما تخبئه صدورهم ضد كل ما يمت للإسلام بصلة. لا ضير من إهانة التراث الإسلامي، ولا عجب من سب الفقهاء المتقدمين، ولا شيء في إنكار ثوابت دينية، ولكن لا مساس برمز علماني قضى حياته في إهانة الإسلام والسطو على أفكار وكتابات المستشرقين الغربيين الذين يكرهون الدين بالسليقة. لا تخلو سيرة مشاهيرهم من القص واللصق والسرقة الصريحة والاقتباس الواضح من مؤلفات غيرهم. يستحيل أن تضبط واحدًا منهم صاحب قضية أو فكرة؛ إنما مثلهم كمثل النائحات المستأجرات.
عديد من الأعمال السينمائية من “مراتي مدير عام” إلى “مرجان أحمد مرجان”، وبينهما كثير، وقع في فخ “برشامة” من “التلويش” في الدين، ولكن ليس بهذه الكثافة والغزارة اللافتة، حتى بدا الأمر أن الأصل في الفيلم مجموعة إفيهات تتردد على مقاهي وسط البلد وفي “الغرز” و”القعدات” الليلية، تم إلباسها ثوب العمل السينمائي، رغم عدم منطقية، فـ”كده أوكيه، ومفيش أزمة”!
وفي الأخير.. وفي ضوء كل هذه المعطيات فإن فيلم “برشامة” هو عمل فني جبان في المقام الأول؛ لأنه اشتبك مع الدين سخرية واستخفافًا، وبلا مناسبة أو هدف؛ في الوقت الذي تغاضى فيه عن قضايا ضاغطة وهموم متلاحقة تؤرق المصريين، وذات صلة بـ”التعليم” أيضًا، مثل تعاقب وزراء غير مؤهلين على وزارة التربية والتعليم والتعليم والفني؛ ما يتسبب في ارتباك السياسة التعليمية، وإرهاق الطلاب وأولياء الأمور. لا أظن أن صناع الفيلم كانوا يجرؤون مثلاً على مناقشة أزمة اختيار وزير لا يملك الحد الأدنى من المؤهلات العلمية لإدارة وزارة مهمة، ولا اقتحام قضية فوضى المناهج والأنظمة التي تتغير كل عام مثلاً، أو يمدون الخط على استقامته، فيشتبكون مع ما يحدث في الجامعات من تجاوزات وإخفاقات وفوضى ممهنجة وسرقات علمية؛ وذلك لأن “الضرب في الدين” هو الطريق الوحيد الآمن والذي لا يجلب مشاكل حقيقية، بل يصنع أصنامًا من العجوة!


