كان رقم المليون جنيه مصري حتى وقت قريب عنوانًا للثراء الفاحش. في فيلم “على باب الوزير” الذي تم إنتاجه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كان (ملك اللحمة حلاوة بيه العنتبلي –صلاح نظمي) يتباهى بأنه (مليونجي)، أي من أصحاب المليون جنيه.
ولكن مع ارتفاع سعر كيلو اللحم من جنيهات معدودة إلى أكثر من خمسمائة جنيه فقد المليون جنيه شرفه تدريجيًا، وتخلى عن سلطانه القديم وملكوته العظيم. المليون جنيه كانت هدية لعروسين في محافظة المنيا من أحد المدعوين يوم الأربعاء الماضي. تزامنت هذه الواقعة مع اقتراح أحد البرلمانيين بأن يتبرع كل مصري بمليون جنيه؛ في سبيل سداد ديون مصر.. (مش كانت اتبرع ولو بجنيه)؟!
الواقعتان الطريفتان تزامنتًا أيضًا مع طرح عملة (2 جنيه)؛ تمهيدًا لإعلان وفاة الجنيه إكلينيكًيا!
سياسات الحكومة الاقتصادية لم تخسف بالمليون جنيه الأرض فقط، ولكن استطاعت خلال فترة قياسية أن تُضاعف ديون مصر الخارجية إلى أكثر من 163 مليار دولار. اللافت أن حكومتنا غير الرشيدة تدعونا دومًا إلى تقدير مساعيها غير المشكورة، وتعظيم جهودها غير المنظورة في دفع عَجلة الاقتصاد المصري، ولكن يبدو أن هذا الدفع ليس للأمام ولكن إلى الخلف، بل يبدو أن العَجلة (نايمة ومطبقة) منذ تنصيب الدكتور مصطفى مدبولي رئيسًا لـ(حكومات مصر)!
ورغم أن رئيس الحكومة تخلص من نظارته السميكة، واستبدلها بعملية ليزك “من النوع المُفتخر” إلا أن قوة إبصاره لا تزال “بعافية”. شدة وتزول يا “دكترة”!! من المؤشرات الدالة على أن عملية الليزك لم تؤتِ ثمارها المرجوة حتى الآن استعانة رئيس الحكومة بمُحاسب لإدارة الملف الاقتصادي، ومُحاسب آخر لإدارة الملف الزراعي، وخريج خدمة اجتماعية لإدارة ملفي الآثار والسياحة، ناهيك عن ملفي التعليم والثقافة.. فهل يُشترط في منصب رئيس الحكومة لاحقًا أن يكون صاحبه (حاد البصر؛ قوي الملاحظة والشكيمة.. عريض المنكبين)؛ حتى يُحسن اختيار رفاقه، ويستطيع قراءة الودَع والفنجان؟!
وعودٌ على بدء.. فإن المليون جنيه التي دخلت غرفة الإنعاش برعاية خاصة من حكومات مصطفى مدبولي (مدوِّبهم 3) صار بلا نخوة ومنزوع الكرامة وعديم الهيبة وخاليًا من الوقار. المليون جنيه يعجز عن شراء سيارة (زيرو) متوسطة القيمة، ولن يسندك عند شراء شقة في (مساكن شعبية.. أنا قلبي مساكن شعبية)، ولا يضعك في قائمة المستورين إلا قليلاً!
شعارات رئيس الحكومة والأبواق الإعلامية المؤممة لم تعد تكفي لتزييف واقع اقتصادي هش ومتهافت ومُتداعٍ في ظل سقوط أكثر من 60% من عموم المصريين تحت خط الفقر، بشهادة البنك الدولي، وما أسوأ الفقر جارًا ورفيقًا وصديقًا وعابر سبيل.. وقاطع طريق. ما أسوأ الفقر في جميع حالاته. ليت الفقر كان رجلاً، حتى يقتله ابن أبي طالب، قبل أن تنشئ له حكومات مصطفى مدبولي غير الرشيدة حضَانات ومحميات خاصة.. ولله الأمر أولاً وآخرًا، ولا أراكم الله مكروهًا في مليون لديكم.. (ده إذا كان لديكم أصلاً)!







