«لقد حاربنا بإيماننا قبل سلاحنا، وانتصرنا بعقولنا قبل دباباتنا، ولكن أخطر ما في الحرب ليس المعركة… بل ما بعدها.»
بهذه العبارة يفتتح الفريق سعد الدين الشاذلي مذكراته عن حرب أكتوبر، في كتابٍ ظلّ محظورًا لسنوات طويلة لأنه قال ما لم يُرِد أحد أن يسمعه.
إنه نصّ الحقيقة المجردة، لا الزينة الرسمية، وشهادة قائدٍ من الصف الأول عاش النصر والخذلان معًا.
بين الميدان والسياسة
يأتي كتاب «حرب أكتوبر – مذكّرات الفريق سعد الدين الشاذلي» ليكشف كواليس المعركة التي أعادت للمصريين ثقتهم بأنفسهم، وليقدّم رواية القائد الميداني الذي صاغ خطة العبور التاريخي، ثم وجد نفسه بعد النصر في مواجهة السلطة التي أرادت احتكار المجد.
الكتاب لا يهاجم ولا يبرّر، بل يروي بعين العسكري وضمير الوطني كيف صيغت خطة الحرب، وكيف تهاوت الحسابات السياسية التي بدّدت بعض ثمارها.
طريق الإعداد الطويل
يبدأ الشاذلي بتفصيل دقيق لمرحلة إعادة بناء الجيش بعد هزيمة 1967، حين انكسر السلاح وبقي الأمل.
يسرد كيف استعاد المقاتل المصري ثقته بنفسه تدريجيًا عبر التدريب والانضباط، حتى أصبحت ساعة العبور ممكنة.
وفي هذه الفصول الأولى تظهر روح القائد الذي لا يرى في الحرب سوى علمٍ ومنهجٍ وانضباط، لا شعارات ولا انفعالات.
خطة المآذن العالية
يخصّص المؤلف فصلاً كاملاً للحديث عن فلسفة الحرب المحدودة التي صممها، مؤكدًا أن الهدف لم يكن غزو سيناء كلها، بل تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلي وتحقيق توازن يفتح باب السياسة من موقع قوة.
وفي هذا الإطار يعرض تفاصيل خطة «المآذن العالية»، وهي العملية التي تمّ بموجبها عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف في ست ساعات فقط — في معجزة عسكرية أدهشت العالم.
العبور العظيم
ينتقل الشاذلي إلى لحظة الانطلاق في السادس من أكتوبر، فيصف المشهد كما لو أنه يحدث أمام القارئ الآن: صفارات العبور، القوارب تتقدم في الممرات المائية، والمدفعية تمهد الطريق بنيران مركّزة.
يروي كيف عبر أكثر من ثمانين ألف جندي الضفة الشرقية خلال ساعات قليلة، رافعين الأعلام المصرية على حصون بارليف المحصنة.
إنه فصل يمزج بين العلم والانفعال، بين الحساب العسكري ومشاعر النصر الإنساني الخالص.
الثغرة… حين تتكلم الحقيقة
في أحد أكثر فصول الكتاب جرأة، يتناول الشاذلي أزمة الثغرة التي اخترقت صفوف الجيش المصري في الدفرسوار، مؤكداً أن الخطأ لم يكن عسكرياً بل سياسياً بحتاً، ناتج عن قرار من الرئيس السادات بالتوغل شرق القناة خلافاً للخطة الأصلية.
هذا القرار – كما يقول – فتح الباب لاختراق العدو غرب القناة وتهديد خطوط الإمداد، لتتحول لحظة المجد إلى مأزق استراتيجي.
وفي هذا الفصل تحديداً تكمن مأساة القائد الذي قال الحقيقة فدفع ثمنها بالنفي والتشويه.
ما بعد الحرب
يروي الشاذلي بأسى كيف تحولت لحظة النصر إلى خلافٍ بين القادة، وكيف انتهت الحرب بوقف إطلاق النار ثم مفاوضات الكيلو 101 التي أدارتها الولايات المتحدة بما يخدم إسرائيل.
ويرى أن الانتصار العسكري فُرّغ من معناه السياسي عبر تنازلات متتالية انتهت بكامب ديفيد.
ثم يتحدث عن محاكمته وتجريده من أوسمته ونفيه، مؤكدًا أن ما فعله لم يكن سوى دفاع عن شرف المقاتل المصري.
أقوال لا تُنسى
«السياسة التي لا تحترم العلم العسكري تقتل النصر قبل أن يولد.»
«كتبت مذكراتي لتعرف الأجيال أن للنصر آباءً معروفين، وللهزيمة صُنّاعًا أيضاً.»
«لم أكتب لأُدين أحداً، بل لأُبرئ ضمير الوطن من التزييف.»
البعد السياسي والفكري
تكشف المذكرات عن رؤية الشاذلي الناقدة لاتفاقيات كامب ديفيد، وعن موقفه المعارض لتحويل النصر العسكري إلى صفقة سياسية.
ومن هنا جاء منع الكتاب لسنوات داخل مصر، قبل أن يُسمح بنشره بعد وفاة السادات.
إنه نصٌّ يجمع بين الجرأة العسكرية والوعي الوطني، بين لغة الخطة ولغة التاريخ، ولذلك بقي خالدًا رغم محاولات طمسه.
القيمة التاريخية والفكرية
يُدرَّس الكتاب في بعض الأكاديميات العسكرية كنموذج في إدارة المعارك تحت التفوق الجوي المعادي، ويُعد من أدق الشهادات الميدانية عن حرب أكتوبر.
إنه ليس مجرد مذكرات، بل وثيقة فكرية وسياسية توثق كيف صنع المصريون النصر، وكيف كادت السياسة أن تجهضه.
كتب مشابهة تناولت حرب أكتوبر
«مذكرات حرب أكتوبر» – المشير محمد عبد الغني الجمسي.
«القرار السياسي في حرب أكتوبر» – اللواء جمال حماد.
«الطريق إلى أكتوبر» – محمد حسنين هيكل.
«الجيش الثالث الميداني المحاصر» – اللواء سعد زغلول عبد الكريم.
الشاذلي
يبقى الفريق سعد الدين الشاذلي علامة فارقة في التاريخ العسكري المصري.
قائدٌ حمل مجد العبور فوق كتفيه، ثم حمل الحقيقة وحده في وجه السلطة.
كتب مذكراته ليقول إن النصر ليس لحظة على الخريطة، بل موقف في الذاكرة، وإن الشرف العسكري لا يُقاس بالأوسمة، بل بصدق الكلمة.
وهكذا ظل كتابه شاهدًا على عصرٍ انتصر بالسلاح وخسر بالكتمان.


