تفرض التهديدات الأمنية المحدقة بالممرات البحرية الحيوية على الدول المنتجة للطاقة مراجعة عاجلة لخرائط تصديرها البرية؛ إذ يدفع خطر شلل خطوط الملاحة التقليدية نحو إحياء مشاريع الأنابيب العابرة للحدود كخيار إستراتيجي حتمي لضمان تدفق الإمدادات للأسواق العالمية.
إعادة ترتيب
أعادت التوترات الأمنية الأخيرة بمضيق هرمز والبحر الأحمر مشروع أنبوب البصرة-العقبة النفطي إلى واجهة الأولويات الجيوسياسية بين بغداد وعمان؛ بعد سنوات طويلة من التعثر كشفت هشاشة الاعتماد على منفذ تصدير أحادي للخام العراقي.
وحظي المشروع باهتمام رسمي متزايد بالتوازي مع توجه العراق لتنويع منافذ تصديره؛ حيث بحث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع وفد أردني برئاسة وزير الصناعة يعرب القضاة المضي في التنفيذ وتوسيع التعاون الاقتصادي.
قيد الدراسة
أوضح المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي أن خط حديثة-العقبة لا يزال قيد الدراسة؛ لارتباطه الوثيق بإنجاز المرحلة الأولى المتمثلة بأنبوب البصرة-حديثة، مؤكداً أن الحكومة ماضية في الإجراءات لتعزيز مرونة وأمن الصادرات.
عقبات تاريخية
اكتسب المشروع صفة رسمية عام 2013 باتفاقية إطارية قدرت تكلفتها بـ 18 مليار دولار؛ لكنه واجه عقبات أمنية كالحرب ضد تنظيم الدولة بالأنبار، بجانب الأزمات المالية والانقسامات السياسية الداخلية التي أحاطت به.
مواصفات الأنبوب
يمتد الأنبوب لمسافة 1700 كيلومتر بطاقة تصميمية تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً؛ وينطلق من البصرة لحديثة غرباً بطول 700 كيلومتر في مرحلته الأولى، قبل وصوله للعقبة بالمرحلة الثانية، مع إمكانية ربطه مستقبلاً بتركيا وسوريا.
ويتضمن المشروع تصدير مليون برميل يومياً عبر الأراضي الأردنية؛ يخصص منها نحو 150 ألف برميل يومياً لتلبية احتياجات مصفاة البترول الأردنية من النفط الخام، مما يمنح عمان دوراً محورياً بتجارة الطاقة الإقليمية.
تحفظات ومخاوف
أوضح الخبير عامر الشوبكي أن المشروع تعثر سابقاً بفعل تحفظات ومخاوف أثيرت حول احتمال وصول النفط لإسرائيل؛ فضلاً عن معارضة قوى سياسية عراقية تأثرت بمواقف قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران الرافضة لهذا التعاون.
وتربط بغداد إحياء المشروع بخططها لرفع إنتاج أوبك من 4.4 إلى 6 ملايين برميل يومياً؛ بموجب عقود أبرمتها مع شركات أمريكية كـ “هاليبرتون” وشركات قطرية، بجانب العمل على ربط البصرة بكركوك لإنعاش خط جيهان التركي.
خطوات عملية
أقر مجلس الوزراء العراقي تعديل قرارات تسمح لوزارة النفط بتوجيه دعوات مباشرة للشركات العالمية لتنفيذ مرحلة البصرة-حديثة بطاقة 2.25 مليون برميل؛ وقطر 56 بوصة، مع السعي لدمج المشروع بمبادرة “طريق التنمية”.
ويوضح الخبير عادل صادق أن مدينة حديثة ستتحول لعقدة رئيسية لتوزيع النفط نحو العقبة وبانياس السوري وجيهان التركي؛ وتغذية المصافي المحلية، مما يمنح العراق مرونة أعلى وقدرة تفاوضية أكبر بالأسواق العالمية.
دراسات أولية
ووفقا لوكالة الانباء العراقية، منحت الحكومة العراقية في يوليو 2026 شركة نفط البصرة الضوء الأخضر لتوقيع اتفاقيات أولية غير ملزمة مع شركات “شيفرون” و”يو سي سي” و”كابيتال” لإعداد دراسات فنية مكملة، والتعاقد مع “كيه بي آر” للاستشارات.
ويمثل التحرك العراقي الفعلي لإحياء خط البصرة-العقبة تحولاً جذرياً في إستراتيجية الطاقة الممتدة لعام 2026 والرامية لكسر الارتهان التاريخي للمنافذ البحرية الضيقة.
ويعتبر منح الضوء الأخضر لشركات عالمية مثل “شيفرون” في يوليو الجاري لتطوير عقدة “حديثة” التوزيعية بمثابة برهان على أن بغداد وعمان تجاوزتا التحفظات الإقليمية والمخاوف السياسية القديمة.
ومع دمج هذا الشريان بمبادرة “طريق التنمية”، لن تقتصر المكاسب على تأمين ممر بديل لمليون برميل يومياً بعيداً عن حصار مضيق هرمز فحسب، بل ستتحول المنطقة إلى شبكة ربط متكاملة للطاقة تمتد من الخليج إلى مياه البحر الأحمر والمتوسط.


