الاقتراض الخارجي ليس عيباً ولا جريمة بشكل عام، ولا توجد دولة في العالم تعتمد على مواردها الذاتية فقط، سواء في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية والاستثمار، أو تغطية عجز الموازنة العامة.
وطالما أن الدولة لديها القدرة على السداد، وتدير حصيلة القروض بطريقة ذات كفاءة، كأن توجهها إلى تمويل مشروعات تدر عائداً بالنقد الأجنبي وقادرة على سداد أصل الدين والأعباء المستحقة عليه، أو لمشروعات تعود بالنفع على الاقتصاد والمواطن وأسواق الصرف الأجنبي، فأهلاً وسهلاً بالقروض، ولا خوف من مخاطرها بشرط أن تكون بسعر فائدة مناسب وعلى سنوات طويلة ومحددة الهدف.
أما فيما عدا ذلك، تتحول الاستدانة إلى خطر شديد على الدولة واقتصادها وجريمة بحق الشعوب، خاصة إذا تسببت في إرهاق ميزانية الدولة، وأربكت سوق الصرف، وأدت إلى تعويم العملة المحلية وحدوث انهيارات في مدخرات المجتمع وقفزات في معدلات التضخم وغلاء الأسعار.
يزداد الأمر سوءاً إذا ما صاحب الحصول على تلك القروض فرض شروط مجحفة وإملاءات وعقود إذعان من قبل الدائنين، كما هو الحال مع قروض صندوق النقد الدولي والتمويلات الممنوحة من دول كبرى مثل الصين.
ولذا نجد أن حكومات دول العالم تتشدد عندما تقترض مليارات الدولارات وتشترط موافقة الأجهزة التشريعية، ويسبق الحصول على تلك القروض مناقشات واسعة حول الغرض منها ومصير الحصيلة وكيفية السداد، كما تشترط الجهات المشرفة على تلك القروض توجيه الحصيلة لتمويل مشروعات واستثمارات بعينها، بنية تحتية، تدشين مطار يساعد في تنشيط السياحة، إقامة ميناء يرفع الطاقة التصديرية، تأسيس سلسلة فنادق ومنتجعات تجذب مزيداً من السياح للدولة، إقامة مصانع تساهم في تقليص عجز الميزان التجاري عبر إحداث طفرة في الصادرات الخارجية أو تقليص الواردات، إدخال تقنيات جديدة لقطاع الإنتاج، تمويل استكشافات نفطية وغيرها.
أما أن تقترض دولة مليارات الدولارات فتوزعها كالتالي: 22 مليون دولار، بما يعادل 264 مليون جنيه سنوياً، تذهب لجيب الإعلامي المصري باسم يوسف مقابل استضافته في برنامج أسبوعي، مع وضع شرط هو ألا يتحدث في الشأن الداخلي ويركز على القضية الفلسطينية فقط التي يعرف تفاصيلها طفل لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، وتذهب ثلاثة مليارات دولارات لإقامة أطول برج في أفريقيا، ونصف مليار دولار لشراء طائرة رئاسية، وتخصيص مئات الملايين لإقامة أضخم مسجد وكنيسة ودار أوبرا وبحيرة صناعية ومدينة ملاه في الشرق الأوسط، وتخصيص ملايين الدولارات الأخرى لإقامة مباني حكومية فارهة في العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، فهذا يخرج القروض عن هدفها الرئيسي، وهو المساهمة في زيادة إيرادات الدولة من النقد الأجنبي عبر إحداث طفرة في إيرادات قطاعات حيوية، منها الصناعة والسياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي.
أن يحصل الإعلامي الساخر باسم يوسف على 22 مليون دولار من إحدى شركات الإنتاج الخاص في مصر، فهذا حقه وحقها، خاصة إذا كانت الشركة ستحصد أضعاف هذا المبلغ من عقود إعلانية مباشرة ورعايات للبرنامج الذي سيظهر به أو يقدمه باسم، أما أن يحصل على هذا المبلغ من ميزانية الدولة وأموال دافعي الضرائب ومخصصات إحدى الشركات الحكومية، فهذا يحتاج إلى وقفة وطرح مئات الأسئلة أقلها يتعلق باستثمار الفرص البديلة.
كم يبني هذا المبلغ من مدارس ومستشفيات ومصانع ومشروعات صغيرة ومتوسطة، وكم يستصلح من مئات الأفدنة، وكم يوفر من فرص العمل، وهل الشركة تلقت بالفعل عقوداً إعلانية تغطي تكلفة البرنامج الضخمة من أجر باسم يوسف والمذيع الأصلي وفريق العمل وغيرها، وهل تلك العقود بالدولار، أم ستطلب من البنك المركزي سداد مستحقات الإعلامي الساخر من أموال البنوك المخصصة أصلا لتمويل الواردات من قمح وأغذية ووقود، وسداد أعباء الديون الخارجية؟
#باسم_يوسف
#موازنة_مصر
مقال جديد، الرابط في التعليقات، سعيد بالنقاش الجاد والموضوعي


