تخيّل أن حجم موازنات الدول العربية مجتمعة لا تساوي القيمة السوقية لإحدى شركات التكنولوجيا العملاقة مثل آبل، والتي تتجاوز قيمتها أربعة تريليون دولار، أو أخواتها ميتا وألفابت وأمازون ومايكروسوفت وأوراكل، وأن قيمة شركة واحدة هي إنفيديا الأميركية لصناعة الرقائق الإلكترونية تفوق كثيراً كل تلك الموازنات مجتمعة، بل تفوق قيمة إنفيديا خمسة أضعاف الموازنات العربية الأضخم والتي تخصّ دول السعودية ومصر والجزائر والكويت والمغرب وقطر وسلطنة عُمان والإمارات والأردن، إذ تبلغ تلك الموازنات مجتمعة 880 مليار دولار لعام 2025 منها 342.6 ملياراً تخصّ السعودية وحدها و135.4 مليار دولار لمصر، و128 ملياراً للجزائر.
ولن أتحدث هنا عن موازنات الدول العربية الأخرى التي ليس لديها موارد نفطية وعانت في السنوات الأخيرة من حروب وقلاقل أمنية ومخاطر جيوسياسية وأزمات اقتصادية ومديونيات عالية مثل ليبيا والسودان واليمن وسورية والصومال وتونس والبحرين وغيرها من تلك التي تعاني من جفاف مالي وعجز تمويلي حادٍ وتراجع في الإيرادات العامة.
بل إنّ القيمة السوقية لعملاق التكنولوجيا الأميركية إنفيديا والبالغة 5 تريليون دولار، وفق أحدث الأرقام، تزيد عن أصول الصناديق السيادية لدول الخليج الثرية مجتمعة، ولو اختفت موارد النفط والغاز والضرائب والرسوم من إيرادات الحكومات العربية ما وجدنا موازنات وموارد من الأصل، بل وجدنا أشباه موازنات، وإيرادات هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع وفقر ومرض وعوز.
ولو جمعت أرقام صادرات نصف الدول العربية تجدها أقل من صفقة واحدة لشركة إنفيديا العملاقة، التي كشف رئيسها التنفيذي جينسن هوانج، يوم الثلاثاء الماضي، عن طلبات شراء رقاقات ذكاء اصطناعي بقيمة 500 مليار دولار، ولن أتحدث هنا عن حجم استثمارات شركات التكنولوجيا العملاقة على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تجاوزت 155 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات بمضاعفة الرقم العام المقبل، بل إنّ إيرادات إنفيديا البالغة 57.0 مليار دولار للربع الثالث من السنة المالية 2026، وبنمو سنوي بنسبة 62% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، قد يفوق إيرادات دول عربية خلال عام كامل.
العالم يعرف عصر شركات التقنية العملاقة ومؤسّسات تكنولوجيا المعلومات “الجامبو” التي تعادل قيمتها السوقية تريليونات الدولارات، وتفوق رؤوس أموالها موازنات دول ذات اقتصادات كبرى، وفي المقابل نجد أن الاقتصادات العربية لا تعرف هذه النوعية من الشركات، وتبخل الحكومات في الإنفاق عليها.
ولا تعرف معظم الموازنات العربية شيئاً عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أو ترصد مخصصات مالية لتمويلها باستثناء دول قليلة منها بعض دول الخليج، وأنه رغم ضحالة الموازنات العربية ومعاناتها من جفاف مالي وعجز حاد وفقر وندرة إلّا أنها لن تسلم من الهدر والإسراف وسوء الاستخدام والإنفاق على مشروعات لا طائل منها، ولا تمثل ضرورة للمواطن وأهمية للاقتصاد، وهناك إصرار من الحكومات العربية ليس على تنمية موارد الدولة ولا علاج عجز الموازنة، بل على النهب المنظم لتلك الموارد المحدودة..
المصدر العربي الجديد


