مقالات

مصطفى عبد السلام يكتب: لبنان بين «قدسية الودائع المصرفية».. و«شطب أموال المودعين»

مصطفى عبد السلام.. كاتب صحفي مصري، وخبير اقتصادي

«قدسية الودائع المصرفية»، “إنصاف أصحاب الودائع والمدخرات”، “شطب أموال المودعين”، ثلاث عناوين طغت على الساحة المصرفية في لبنان مجدداً، مع استقرار الوضع السياسي نسبياً، بانتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية ونواف سلام رئيساً للحكومة، ومحاولات أطراف عدة إعادة هذا الملف الشائك والمعقد للواجهة، وفتحه والبحث عن حل جذري له، بسبب المخاطر الشديدة الناتجة عن استمرار تركه مغلقاً أو معلقاً، سواء على مستوى سمعة لبنان المالية والسياسية، أو على مستوى سمعة القطاع المصرفي التي اهتزت بشدة منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي في عام 2019 والتي كان تجميد الودائع واحتجاز البنوك أموال المودعين الدولارية، وانهيار قيمة الليرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات المالية كافة، أبرز ملامحها.

قدسية الودائع المصرفية

العنوان الأول المتعلق بقدسية الودائع المصرفية خافت ولا يجد كثيرين يدافعون عنه، رغم حرص الدولة الشديد عليه، وهو معني بالدرجة الأولى بالحفاظ على أموال البنوك، وعدم المساس بها، تحت أي ظرف، وهذا الفريق الذي تقوده أطراف حكومية ومصرفية ترى أن تلك القدسية، والتأكيد على حماية أموال المودعين، تعد مدخلاً ضرورياً لإعادة الثقة للقطاع المصرفي اللبناني، وضرورة إعادة هيكلته كي يصبح قوياً قادراً على سداد التزاماته تجاه المدخرين، وجاذباً للاستثمارات الداخلية والخارجية، والممول الأول للحكومة وخطط التنمية، وتمويل المشروعات والتجارة الخارجية.

أما بالنسبة للعنوان الثاني المتعلق بالدفاع عن أموال المودعين وصونها، وإنصاف أصحابها، والتوقف عن تقديم مشروعات إعدام بحق مدخراتهم، فهذه معركة يقودها أطراف عدة، أصحاب المدخرات أنفسهم، ومصرف لبنان، والدولة اللبنانية نفسها، فحاكم المصرف المركزي بالإنابة، وسيم منصوري، خرج علينا قبل أيام قائلاً إن الأولوية لإعادة أموال المودعين، وأنه وضع دراسة شاملة لكل حسابات المودعين، وأن إيجاد حل مناسب لمسألة إعادتها أصبح “قريباً”، وكرر هذا الكلام في مناسبات عدة. بل إن الرئيس المنتخب جوزيف عون وعد، عقب انتخابه مباشرة، بحماية تلك الأموال، قائلاً “عهدي ألا أتهاون في حماية أموال المودعين”.

شطب أموال المودعين

وعلى مستوى العنوان الثالث المتعلق بشطب أموال المودعين، باعتباره المدخل الواقعي لوضع نهاية لتلك الأزمة المستعصية، فهذا الطرف يطالب بوضع نهاية عملية لهذا الملف، عن طريق شطب أموال المودعين، وتحميل كل طرف مسؤوليته في هذا الشأن، سواء الدولة، أو أصحاب البنوك، والبنك المركزي نفسه، وقد يلجأ هذا الفريق لأساليب لا أخلاقية، منها شيطنة مطالب المدخرين لسرقة ودائعهم وتصفية قضيتهم، ووضعهم أمام أمر واقع يقول إن الدولة اللبنانية مفلسة، وإن تلك الحالة تمتد للبنوك أيضاً.

لكن هذا الحل القاسي بحق المودعين يجابه بمشاكل عدة، منها مخالفته أحكام القوانين، وتعارضه مع مواد الدستور. كما أن تحميل المصارف وأصحاب الأموال الخسائر المتراكمة والناتجة عن السياسات المالية والنقدية الخاطئة للدولة ومصرف لبنان يُعد ظلماً للجميع. وهنا يجب تحميل الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية الجزء الأكبر من المسؤولية.

أطراف حكومية مسؤولة ترفض الطرح الخطير

وفي المقابل، فإن هناك أطرافاً حكومية مسؤولة ترفض هذا الطرح الخطير، ومن بين هؤلاء وزير المال ياسين جابر الذي قال قبل أيام “من غير الوارد شطب أموال المودعين، ولا مصلحة للبنان بذلك، لكن هذا لا يعني أن غداً صباحاً ستعود الودائع، والأولوية لصغار المودعين، إذ سيتم وضع مبلغ فريش دولار في حساباتهم، ليس لسحبه إنما لاستخدامه تباعاً بسبب الظروف المعيشيّة، ثم إيجاد حل لباقي المودعين، من خلال صندوق استرداد الودائع”. وهو يرى أيضاً أن المدخل للحفاظ على تلك القدسية هو “ضرورة تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان في خطوة أولى، وإعادة إحياء العمل المصرفي في لبنان”.

أزمة المودعين في لبنان معقدة جداً، فلا أحد يعرف حتى الآن من هي الجهة التي ستتحمّل خسائر القطاع المصرفي، والبالغة أكثر من 77 مليار دولار، مقابل تسوية الملف، ومَن هي الجهة التي ستتحمل كلفة إعادة أموال المودعين، في ظل الوضع المزري لمصرف لبنان المركزي الذي لا يملك سوى أقل من 10 مليارات دولار، وتهاوي الاحتياطيات النقدية الأجنبية لديه، وهل هذه الخطوة تسبق خطوة أهم هي إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتخليصه من ديون متعثرة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟ وقبلها سداد الالتزامات المستحقة على الدولة؟

مصطفى عبد السلام

كاتب صحفي مصري، وخبير اقتصادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights