بينما تتصاعد الاحتجاجات في فرنسا بسبب تراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات التعليم، انتقلت المواجهة إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت صور ومقاطع فيديو تزعم أن المتضامنين مع فلسطين يقفون وراء أعمال الشغب، وأن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية تسبب في اضطرابات تهدد استقرار البلاد.
وكشف تحقيق نشرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة في 19 أكتوبر 2026 عن تداول محتويات مضللة، بينها صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، نشرتها حسابات إسرائيلية ويمينية أوروبية، في سياق يربط الفوضى في الشوارع الفرنسية بالعلم الفلسطيني والهجرة والاعتراف بدولة فلسطين.
وتفتح هذه الحملة الباب أمام تساؤلات بشأن حدود التأثير السياسي للحسابات الرقمية، وقدرة الصور المصطنعة على توجيه الرأي العام خلال الأزمات، خصوصا عندما تتزامن مع أحداث حقيقية تشهد مواجهات بين المتظاهرين والشرطة.
صور مصطنعة تصنع رواية سياسية
من أبرز الأمثلة صورة نشرها الباحث الإسرائيلي إيلي ديفيد عبر منصة إكس، تظهر شخصا يرفع العلم الفلسطيني وسط مشهد من النيران والاضطرابات، مصحوبة بتعليق ساخر يربط ما يحدث باعتراف فرنسا بدولة فلسطين.
وانتشرت الصورة عبر حسابات أخرى، بينها «فيسغراد 24»، قبل أن تستخدمها صفحات متعددة في مهاجمة الفلسطينيين والمهاجرين، وتقديم الاحتجاجات باعتبارها نتيجة لسياسات التنوع والهجرة والتضامن مع القضية الفلسطينية.
كما ظهرت صور أخرى تزعم رفع العلم الفلسطيني فوق برج إيفل، وسط ادعاءات بأن باريس فقدت السيطرة على شوارعها.
لكن تحقيقات مستقلة نشرتها مؤسسات متخصصة في التحقق من المعلومات، بينها «فول فاكت» البريطانية وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، أكدت في 19 أكتوبر أن صورا متداولة مرتبطة بهذه الادعاءات مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مضللة بشأن سياقها.
وأوضحت مؤسسة «فول فاكت»، في تحقيق أعدته الصحفية إليز هاتشينسون، أن إحدى الصور المتداولة تضمنت علامة رقمية غير مرئية مرتبطة بتقنيات توليد المحتوى، إلى جانب تناقضات بصرية في تفاصيل الأشخاص والدخان.
وتشير هذه النتائج إلى أن بعض المنشورات لم تكتف بتضخيم أحداث حقيقية، بل قدمت مشاهد مصطنعة لإسناد رواية سياسية إليها.
ماذا يقول الخبراء عن الصور المفبركة؟
في تحقيق منفصل نشرته وكالة رويترز في أغسطس 2025 عن مقاطع مزيفة زعمت تصوير مظاهرات ضخمة مؤيدة لفلسطين في اليابان، قدم الباحث جاي روزنباوم، المتخصص في أبحاث الذكاء الاصطناعي بجامعة آر إم آي تي الأسترالية، تقييما تقنيا أشار فيه إلى تناقضات في النصوص الظاهرة على اللافتات والإعلانات، وحركات غير طبيعية في المشاهد.
كما أوضح شهروز طارق، الباحث العلمي في منظمة الكومنولث الأسترالية للبحوث العلمية والصناعية والمتخصص في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، أن اختفاء أجزاء من الأعلام وتغيرها أثناء الحركة من العلامات التي قد تكشف المحتوى المولد آليا.
ورغم أن الباحثين تناولا واقعة مختلفة في اليابان، فإن ملاحظاتهما تبرز التحديات التقنية التي تواجه التحقق من مقاطع الفيديو المصطنعة، ولا تمثل تصريحا مباشرا بشأن الحملة الحالية في فرنسا.
وتكمن أهمية هذه المؤشرات في أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي قد يبدو واقعيا عند مشاهدته للمرة الأولى، بينما تكشف مراجعة التفاصيل الصغيرة أو فحص المصدر الأصلي تناقضات يصعب ملاحظتها وسط التدفق السريع للمعلومات.
لكن تحديد ما إذا كانت حملة كاملة منسقة يتطلب أدلة إضافية، مثل تحليل أنماط النشر والعلاقات بين الحسابات ومصادر التمويل أو الإدارة. ولا يكفي تشابه الخطاب وحده لإثبات أن جهة حكومية تقف وراء جميع المنشورات.
احتجاجات حقيقية وأسباب مختلفة
اندلعت الاحتجاجات الفرنسية على خلفية مطالب طلابية تتعلق بتدهور أوضاع المدارس والجامعات ونقص المعلمين، قبل أن تتسع لتشمل قضايا المعيشة والسياسات الاقتصادية والخدمات العامة.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن مظاهرات 17 أكتوبر شهدت مشاركة قطاعات طلابية ونقابية، وانضم إليها محتجون من حركة السترات الصفراء. ورغم الطابع السلمي لغالبية المشاركات، شهدت مدن عدة مواجهات وأعمال تخريب ونهب.
وتكشف هذه الوقائع عن فجوة بين الأسباب الاجتماعية للاحتجاجات وبين الرواية التي تحاول بعض المنشورات الرقمية فرضها، عبر اختزال المشهد في الهجرة أو القضية الفلسطينية.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين كانوا بعيدين عن القضايا الدولية، أو أن الأعلام الفلسطينية لم تظهر في أي تجمع، بل إن المشكلة تكمن في استخدام صور مفبركة أو قديمة لإثبات ادعاءات لا تدعمها الأدلة.
كما أن وجود العلم الفلسطيني في مظاهرة لا يثبت مشاركة حامليه في أعمال العنف، تماما كما لا يمكن الاستدلال بصورة واحدة على موقف جميع المتظاهرين.
ردود الفعل ومخاطر توظيف القضية الفلسطينية
أثارت الصور المتداولة نقاشا واسعا بشأن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، وظهرت منشورات تحمل الرئيس إيمانويل ماكرون مسؤولية الاضطرابات، وتصور الاعتراف الذي أعلنته فرنسا في سبتمبر 2025 باعتباره سببا مباشرا للفوضى.
وفي المقابل، أكدت تحقيقات التحقق أن الصور المتداولة عن رفع العلم الفلسطيني فوق برج إيفل لا تمثل واقعة حقيقية، وأن بعض المقاطع المنسوبة إلى الاحتجاجات الحالية تعود إلى أحداث أقدم أو جرى توليدها رقميا.
وتشير هذه النتائج إلى خطورة توظيف قضية سياسية حساسة في تفسير أزمة داخلية، خصوصا عندما يتحول المحتوى المضلل إلى وسيلة لتأجيج العداء تجاه جماعات قومية أو دينية.
ومع ذلك، لا تتوافر في المواد المنشورة تصريحات مباشرة كافية من مسؤولين إسرائيليين أو ممثلين للحسابات المعنية تشرح دوافع النشر، كما لا توجد أدلة معلنة تثبت أن جهة إسرائيلية رسمية أدارت الحملة بأكملها.
ومن الضروري الفصل بين رصد نشاط حسابات محددة وبين توجيه اتهام شامل إلى دولة أو تيار سياسي من دون أدلة مستقلة.
توقعات: هل يصبح التضليل جبهة موازية للاحتجاجات؟
من المرجح أن يستمر تداول الصور والمقاطع المصطنعة مع تصاعد التوترات السياسية في فرنسا، خاصة مع سهولة إنتاج محتوى بصري باستخدام الذكاء الاصطناعي، وسرعة انتشاره قبل اكتمال عمليات التحقق.
وقد تمتد الظاهرة إلى دول أوروبية أخرى تشهد نقاشات حادة بشأن الهجرة والهوية والسياسات الاقتصادية والعلاقات مع إسرائيل وفلسطين.
وفي حال تأخر تصحيح المعلومات، قد تترسخ روايات مضللة تؤثر في النقاش العام وتزيد الاستقطاب، بينما قد يسهم نشر الأدلة التقنية بسرعة في تقليص انتشارها.
لكن حجم التأثير الفعلي لهذه الحملة على الرأي العام الفرنسي لا يمكن تحديده من أعداد المشاهدات وحدها، بل يحتاج إلى دراسات تقيس مدى تصديق الجمهور للمحتوى وتغير مواقفه نتيجة التعرض له.
في رأيي
تكشف هذه القضية أن المعركة على الرواية أصبحت جزءا من إدارة الأزمات السياسية، وأن الصورة لم تعد دليلا موثوقا بمجرد ظهورها على الشاشة.
فالاحتجاجات الفرنسية لها أسباب اقتصادية واجتماعية واضحة، ولا يجوز اختزالها في الاعتراف بدولة فلسطين أو في وجود المهاجرين. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام كشف الصور المفبركة لتجاهل أعمال العنف والتخريب التي وقعت بالفعل.
الأخطر هو تحويل التضليل إلى أداة لتأجيج الكراهية وصناعة خصم جماعي، بدلا من مناقشة أسباب الأزمة ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات وفق الأدلة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب صحافة تحقق مستقلة، وشفافية من منصات التواصل، ووعيا جماهيريا يرفض إعادة نشر الصور المثيرة قبل التأكد من صحتها. فالمجتمع الذي يفقد القدرة على التمييز بين الحدث الحقيقي والمشهد المصطنع يصبح أكثر عرضة للتلاعب السياسي، مهما كانت القضية التي يجري توظيفها.


