رغم ظروفي الصحية الدقيقة، أجد من واجبي الأخلاقي والسياسي أن أحدد بعض ما أظن أنه الموقف الأنسب، والذي قد لا يكون في نظر البعض هو الأصح..
بادئ ذي بدء، مثل غيري من غالبية شعب مصر، أرفض الظلم والتجبر، وأتعاطف مع “الشعب الإيراني” في مواجهة العدوان الصهيو-أمريكي، وأقدر أهمية أيران في معادلات توازن القوي في الشرق الأوسط، وكم دعوت على مر السنين أن نبحث عن وسائل تساعد علي قيام نظام أمن إقليمي، نشترك فيه مع تركيا وإيران، وربما السعودية إذا سمحت ظروفها السياسية.
كذلك، لا يمكنني إغفال الهواجس والمخاوف من بعض التصرفات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، والتي تحمل -عمدا أو دون قصد- تهديدات للأمن القومي المصري، سواء ذلك الذي تقوم به في اليمن أو السودان أو ليبيا، أو ذلك الاندفاع الطبيعي مع العدو الصهيوني، بالمخالفة لكل المقررات والمواقف العربية الثابتة.
ومن ناحية ثالثة، لا يمكن جحود ما تقدمت به دولة الإمارات منذ الأب المؤسس الشيخ زايد رحمه الله، من مساعدات هامة إلى مصر خلال أوقاتها الصعبة، فليست من شيمة مصر أو سياستها الثابتة إنكار الفضل ونسبته لأصحابه، ولست هنا في مجال التنابذ بمن له اليد الأعلى في الفضل، فما قامت وتقوم به مصر هو جزء من وعيها القومي العربي، وإدراك قديم للبعد الأمني في تلك البقعة الجغرافية الحيوية.
بعد كل ما تقدم، ودون الإغراق في تفاصيل معقدة (قد يكون محلها في إطار ورشة عمل)، فقد أدهشتني بعض ردود الفعل الشعبية تجاه ما بدا من توجه رسمي مصري للإسهام بقسط في معادلات الأمن التي يعاد صياغتها الآن في منطقة الخليج العربي.
قد افهم، أو أتعاطف، مع من يري أن ذلك قد يعني انضماما لتحالف الشر ضد إيران، ولكن التقدير الصحيح للموقف لا يذهب إلى تلك المبالغة، والأسباب كثيرة..
مصر لم تعلن الحرب على إيران، لكنها اتخذت موقفاً واضحاً وثابتا منذ بدء العدائيات في منطقة الخليج، حيث استنكرت ردود الفعل الإيرانية ضد المصالح العربية، والبنية الأساسية لدول الخليج بشكل عام، وأعلنت بشكل لا يحتمل أي لبس دعمها لتلك الدول في الدفاع عن أراضيها.
وكانت هناك اتصالات مع المسؤولين الإيرانيين، ليس لدينا فحواها وتفاصيلها، ولكن من البديهي أنها لم تبتعد عن الخطوط الواضحة للبيانات المصرية الرسمية التي صدرت بشكل متماثل طول الوقت. ولا شك أن التعاطف مع الشعب الإيراني لا يمكن أن يعني الصمت على بعض أخطاء القيادات الإيرانية.
لا يمكن إغفال وجود مصالح مصرية عليا في أمن وسلامة الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي خلال هذه الفترة الحرجة، وإن كل تهديد لأمن واستقرار تلك الدول، هو تهديد مباشر للأمن القومي العربي والمصري.
أن الانخراط المصري الإيجابي في المعادلات التي يجري صياغتها الآن، هو ضرورة حيوية، لأن من يغيب عن المائدة ليس من حقه المطالبة بنصيب يحفظ حقوقه، والإيجابية لا تعني بالضرورة اقتحام بالقوات أو بالنيران (وإن كانت لا تستبعدها عند إلحاح الظرف)، وإنما هي المشاركة في الجهد الدبلوماسي، وإرسال الرسائل الصحيحة للأطراف.
أتصور أن ذلك الموقف المصري يمكن البناء عليه في شكل طرح مناسب لشواغل مصر في أثيوبيا والسودان وليبيا، وملف التسوية بشكل عام، للتوصل مع القيادة الإماراتية لأفضل السبل لمواجهة وحل هذه الشواغل.
وأتصور أيضا أن الملف الاقتصادي لا يبتعد كثيرا عن ذلك، فما يحدث في مضيق هرمز والبحر الأحمر يمثل خسائر مستمرة مباشرة للاقتصاد المصري، وخسائر غير مباشرة في مجمل العلاقات التجارية الدولية التي تتأثر سلبا، فضلا عن وجود علاقات اقتصادية خاصة مع دول الخليج العربي تمثل أهمية كبري، ومن أبرز أمثلتها نسبة العمالة المصرية في أسواق العمل الخليجية، والاحتياطيات الدولارية في البنك المركزي.
ولا يمكن بالتالي أن اوافق أو أرضي على ادعاء انها “بندقية للإيجار “…
مصر لم تكن، ولن تكون كذلك، والتاريخ القديم والحديث شاهد علي أن مصر دائما تقدم التضحيات دون أن تطلب مقابل، والصراع العربي الصهيوني أبرز مثال علي ذلك.
كما لا اجد مناسبة للمقارنة مع الوضع في غزة، وهذا موضوع يحتاج وحده لمقال كامل، ولكن اكتفي هنا بإيضاح أنني تناولت في مقالات سابقة ضيق مساحة المناورة، وخطورة الإقدام على تحرك تكون عواقبه أسوأ من الوضع القائم.
لذلك، ومع كل احترامي لمن يري أنه “لا ناقة ولا جمل لنا” في ذلك الصراع، ومع تقديري لما قد يبدونه من مخاوف، فأنني -كما أتمنى- قد أوضحت فيما سبق، أن لنا “ألف ناقة، وألف جمل”، ولا نملك ترف غض الطرف عن نار توشك أن تمسك بتلابيبنا..


