تتجاوز قصة شق قناة السويس كونها مجرد مشروع هندسي تقليدي، لتروي ملحمة تاريخية كبرى بدأت بجهد بشري مذهل وأدوات بسيطة وسط الصحراء القاحلة، لتتحول مع مرور السنين إلى شريان حيوي يعيد صياغة حركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب.
الجذور التاريخية لانطلاقة المشروع
تعود إرادة ربط البحرين المتوسط والأحمر إلى الخامس والعشرين من شهر أبريل عام 1859، حين انطلقت أعمال الحفر في موقع مدينة بورسعيد الحالية إثر حصول المهندس الفرنسي فرديناند دي لسيبس- الذى دارت عليه شبهات عديدة مالية وسجن فى فرنسا بسببها- على امتياز استثماري من الوالي سعيد باشا لتأسيس الشركة المسؤولة عن الإنشاء والتشغيل.
وقد استهدف المشروع منذ لحظته الأولى اختصار المسافات البحرية الهائلة وتجنب التفاف السفن حول القارة الإفريقية وطريق رأس الرجاء الصالح.
عصارة الجهد البدني وقسوة السخرة
اعتمدت المرحلة الأولى من المشروع بشكل شبه كامل على السواعد البشرية للعمال الفلاحين المصريين الذين استخدموا الفؤوس والمعاول والسلال البسيطة لنقل الأتربة في بيئة عمل بالغة القسوة تحت نظام السخرة المفرض آنذاك.
ومع إلغاء هذا النظام في عهد الخديوي إسماعيل، تحولت بوصلة الشركة نحو الميكنة الواسعة وإدخال الحفارات والكراكات البخارية العملاقة القادرة على إزالة كميات ضخمة من الرمال والطمي بسرعة فائقة.
استغلال التضاريس الطبيعية واكتمال الربط
لم يحتاج المهندسون إلى حفر المجرى كاملاً في أرض صلبة، بل استثمروا المنخفضات والبحيرات الطبيعية المنتشرة في برزخ السويس، لا سيما بحيرة التمساح والبحيرات المرة.
ونجحت مياه البحر المتوسط في الوصول إلى بحيرة التمساح في الثامن عشر من نوفمبر عام 1862، وتكللت الجهود في الثامن عشر من أغسطس عام 1869 بالتقاء مياه البحرين إيذاناً بانتهاء الأعمال الأساسية بعد عقد من الكفاح المستمر.
أرقام قياسية ويوم الافتتاح العالمي
أسفرت ضخامة المشروع عن إزالة نحو أربعة وسبعين مليون متر مكعب من الأتربة، بينما بلغت التكلفة الفعلية نحو ثلاثة وأربعين ومائة مليون فرنك لتتخطى التقديرات الأولية بمراحل.
وفي السابع عشر من نوفمبر لعام 1869، شهدت مصر افتتاحاً أسطورياً حضره ملوك وأمراء العالم على رأسهم الإمبراطورة أوجيني، لتبدأ السفن عبور الممر الجديد وتختصر أزمان الرحلات البحرية بشكل جذري.
تشابك المصالح والجهد المشترك
لا يمكن نسب إنجاز القناة إلى طرف واحد بمعزل عن الآخر؛ فقد تجسد المشروع كخلاصة لتعاون وصراع مصالح ضم مئات الآلاف من العمال المصريين، والخبرات الهندسية الأوروبية، والإدارة الفرنسية، والتمويل والدعم اللوجستي المصري.
وقد بدأت القناة بطول بلغ أربعة وستين ومائة كيلومتر وعرض اثنتين وخمسين متراً وعمق خمسة أمتار ونصف المتر، لتخضع طوال أكثر من قرن ونصف لعمليات توسعة مستمرة حتى بلغت في شكلها المعاصر طولاً يناهز ثلاثاً وتسعين ومائتي كيلومتر وعمقاً يصل إلى أربع وعشرين متراً لتستوعب أضخم سفن العالم.
محمد على رفض المشروع
عندما عُرض مشروع ربط البحرين الأحمر والمتوسط على والي مصر محمد علي باشا، رفض الفكرة رفضاً قاطعاً وأطلق مقولته الشهيرة: “لا أريد بوسفوراً جديداً في مصر”
وكان يقصد بمقولته مضيق البوسفور التركي، حيث استند في رفضه إلى رؤية سياسية واستراتيجية عميقة:
اولا: تجنب التدخل الأجنبي: رأى محمد علي كيف كان مضيق البوسفور ذريعة للدول الاستعمارية الكبرى للتدخل المستمر في شؤون الدولة العثمانية بحجة حماية مصالحها وضمان حرية الملاحة الدولية. وخشي أن يفتح هذا الممر المائي الباب للأطماع الأوروبية للسيطرة على مصر. [1, 2, 3]
ثانيا: رفض الامتيازات الأجنبية: لم يكن معارضاً لفكرة شق الممر المائي بحد ذاته، بل كان يرفض تماماً منح امتياز حفر القناة والانتفاع بها لشركة أجنبية، متمسكاً بأن أي مشروع قومي ضخم يجب أن يُنفذ بأموال وإدارة مصرية خالصة. [1]


