لم تعد المنافسة على جذب الاستثمارات العالمية تعتمد فقط على انخفاض تكاليف الإنتاج أو اتساع الأسواق، بل باتت ترتبط بامتلاك التكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوفير الطاقة والبنية التحتية والمهارات اللازمة للصناعات المستقبلية. وفي ظل هذا التحول، اختتمت العاصمة القطرية الدوحة، في 27 أكتوبر 2026، أعمال الدورة التاسعة من منتدى الاستثمار العالمي، الذي وضع على جدول أعماله سؤالًا يتجاوز حجم رؤوس الأموال المتاحة إلى كيفية توجيهها نحو الاقتصادات والقطاعات الأكثر احتياجًا إليها، وتحويلها إلى مشروعات منتجة وفرص تنموية مستدامة.
ونظمت الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» المنتدى، الذي استضافته دولة قطر خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر، تحت شعار «الاستثمار في المستقبل»، بمشاركة مسؤولين حكوميين ومستثمرين وقادة أعمال ومؤسسات دولية. ووفقًا للبيان الختامي للأونكتاد، شارك في المنتدى أكثر من 4 آلاف شخص، بينهم أربعة رؤساء وزراء وأكثر من 60 وزيرًا، إلى جانب مستثمرين وممثلي مؤسسات مالية وتنموية دولية.
وجاءت المناقشات في وقت تتغير فيه خريطة الاستثمار العالمي بفعل التوترات الجيوسياسية، وتزايد القيود التجارية، وتسارع التحولات التكنولوجية، واتجاه الحكومات إلى حماية الصناعات التي تعتبرها ضرورية لأمنها الاقتصادي. ولم تعد قرارات الاستثمار تستند إلى اعتبارات التكلفة والكفاءة وحدها، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بالسياسات الصناعية والأمن الاقتصادي والقدرة على الوصول إلى الأسواق والموارد الاستراتيجية.
وقال بيدرو مانويل مورينو، نائب الأمين العام للأونكتاد والقائم بأعمال الأمين العام، في كلمته الافتتاحية، إن العالم دخل «عصرًا جديدًا من الاستثمار، هو عصر الاستراتيجية»، في إشارة إلى تزايد دور الحكومات في توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والمعادن الحيوية.
وتشير بيانات الأونكتاد إلى أن القطاعات الاستراتيجية استحوذت على نحو 44% من قيمة مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة عالميًا في عام 2025، مقابل 16% في عام 2020، فيما ارتفعت القيمة الإجمالية للمشروعات المعلنة في هذه القطاعات من نحو 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار خلال خمس سنوات.
ويعكس هذا التحول انتقال المنافسة الدولية إلى مجالات ترتبط بالتكنولوجيا المتقدمة والتحول في نظم الطاقة وتأمين الموارد الحيوية، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من اتساع الفجوة بين الدول التي تمتلك التمويل والخبرات والبنية التحتية اللازمة، وتلك التي لا تزال تحاول بناء قدراتها الصناعية والتكنولوجية.
وتكشف مؤشرات الاستثمار الأجنبي المباشر عن جانب آخر من التحدي. فقد ارتفعت التدفقات العالمية بنسبة 6% خلال عام 2025، لتصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار، بعد عامين من التراجع، لكن التعافي ظل متفاوتًا بين الاقتصادات. ووفقًا لتقرير الاستثمار العالمي 2026، استحوذت أكبر 20 دولة مستقبلة للاستثمار على أكثر من 80% من التدفقات العالمية.
كما لم تتجاوز حصة الاقتصادات منخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى نحو 10% من الاستثمارات الجديدة في القطاعات الاستراتيجية خلال الفترة من 2020 إلى 2025، مقارنة بأكثر من 20% في القطاعات الأخرى. ويعني ذلك أن التحول نحو الصناعات الأكثر تقدمًا قد يفتح فرصًا اقتصادية جديدة، لكنه قد يعمق أيضًا التفاوت بين الدول ما لم تتمكن الاقتصادات النامية من بناء القدرات التي تؤهلها للمشاركة في سلاسل القيمة العالمية.
ومن هنا، ركز المنتدى على ضرورة الانتقال من المنافسة على جذب الأموال في حد ذاتها إلى بناء بيئة قادرة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج محلي وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا. ويشمل ذلك تطوير المؤسسات، وتحسين القواعد التنظيمية، ورفع كفاءة العمالة، وتوفير الطاقة والاتصالات، وإعداد مشروعات قابلة للتمويل، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية.
واحتل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية موقعًا بارزًا في المناقشات، في ظل تزايد الاستثمارات المطلوبة لإنشاء مراكز البيانات وتوسيع قدرات الحوسبة والحوسبة السحابية وتصنيع أشباه الموصلات. غير أن جذب هذه الاستثمارات لا يتوقف على توافر الشركات التكنولوجية وحدها، بل يتطلب شبكات طاقة موثوقة، واتصالات متطورة، وتمويلًا طويل الأجل، وكفاءات بشرية قادرة على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها.
وفي هذا الإطار، شهد المنتدى توسيع التعاون ضمن مبادرة محفز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، التي تجمع الأونكتاد والاتحاد الدولي للاتصالات والبنك الدولي، بهدف مساعدة الدول النامية على تقييم احتياجاتها الرقمية وإعداد خطط استثمارية ومشروعات أكثر قدرة على جذب التمويل. كما طُرحت مبادرات لتطوير مبادئ الاستثمار المسؤول في الذكاء الاصطناعي، بما يراعي الشفافية والاستدامة والأولويات التنموية.
ولم تقتصر النتائج على التكنولوجيا، إذ أعلن الأونكتاد عن مجموعة من المبادرات والشراكات التي تستهدف تقليل المخاطر التي تعوق تدفق الاستثمارات إلى الاقتصادات الأقل قدرة على المنافسة. وشملت النتائج مقترحًا لمبادرة عالمية لتقاسم مخاطر الاستثمار، تستهدف تعزيز التعاون بين الحكومات ومؤسسات التمويل التنموي وشركات التأمين والمستثمرين، لتحسين شروط التمويل وجعل المزيد من المشروعات في الأسواق الأقل جذبًا لرؤوس الأموال قابلة للتنفيذ.
كما تضمنت النتائج إطلاق مبادئ إرشادية لإصلاح اتفاقيات الاستثمار الدولية، بما يساعد الحكومات على تحديث المعاهدات القديمة وتحقيق التوازن بين توفير الحماية للمستثمرين والحفاظ على مساحة كافية لتنفيذ السياسات التنموية. وأُعلنت تسع اتفاقيات وشراكات جديدة، إلى جانب مبادرات لدعم رواد الأعمال في الدول النامية وربطهم بالمستثمرين والمرشدين والأسواق الدولية.
وشملت مخرجات المنتدى كذلك ثلاثة تقارير إقليمية للاستثمار، تناولت اتجاهات الاستثمار والتحديات التي تواجه اقتصادات منطقة الكاريبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن مبادرات لتعزيز الاستثمار في الاقتصاد البحري والسياحة والاقتصاد الإبداعي، وتطوير أدوات قياس الأثر التنموي للاستثمارات بما يتجاوز المؤشرات المالية التقليدية.
وعلى المستوى الإقليمي، برزت مشاركة السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا «الكوميسا»، بوفد قاده السفير الدكتور محمد قدح، مساعد الأمين العام للبرامج، لبحث تحديث اتفاقيات الاستثمار وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية.
ووفقًا لبيان الكوميسا الصادر في 27 أكتوبر، ناقش الوفد مع مسؤولين في الأونكتاد برامج تعاون مقررة خلال عام 2027 لدعم تنفيذ اتفاقية الاستثمار المشتركة للتكتل وتحديث معاهدات الاستثمار الثنائية. كما أجرى مباحثات مع ممثلين عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والمعهد الدولي للتنمية المستدامة بشأن تعزيز الترويج للاستثمار وتطوير السياسات الاستثمارية الإقليمية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية في ظل سعي التكتلات الاقتصادية إلى تحسين قدرتها التفاوضية، وتوفير قواعد أكثر وضوحًا للمستثمرين، وتوسيع الأسواق الإقليمية، بما يساعد على جذب مشروعات تتجاوز استخراج الموارد الخام إلى التصنيع وإضافة القيمة وتطوير سلاسل التوريد المحلية.
لكن التحدي الأهم الذي كشفته مناقشات الدوحة يتمثل في الفجوة بين التعهدات الدولية والقدرة على التنفيذ. فارتفاع التدفقات المالية العالمية لا يضمن تلقائيًا زيادة الاستثمارات المنتجة في الدول النامية، كما أن الإعلان عن شراكات جديدة لا يعني بالضرورة تحولها إلى مصانع أو بنية تحتية أو وظائف، ما لم تتوافر المشروعات المؤهلة والتمويل المناسب والقدرات المؤسسية اللازمة.
وبذلك، لا يقتصر الاختبار الحقيقي لنتائج منتدى الاستثمار العالمي 2026 على عدد الاتفاقيات التي أُعلنت أو المبادرات التي أُطلقت، بل يمتد إلى مدى قدرتها على تغيير وجهة رأس المال، وتوسيع قاعدة الدول المستفيدة من التحولات التكنولوجية والصناعية، وربط الاستثمار بالتنمية والإنتاجية ونقل المعرفة.
فالاستثمار في المرحلة المقبلة لن يكون مجرد سباق لجذب الأموال، بل منافسة على امتلاك مقومات الإنتاج والتكنولوجيا، والقدرة على تحويل الفرص الدولية إلى قيمة اقتصادية محلية. وبينما تتسارع الاستثمارات نحو الصناعات الاستراتيجية، ستظل قدرة الاقتصادات النامية على بناء البنية التحتية والمهارات والمؤسسات، وإقامة شراكات قابلة للتنفيذ، عاملًا حاسمًا في تحديد موقعها على خريطة الاقتصاد العالمي.


