لم تعد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تواجه الخطر ذاته الذي لازمها خلال الأشهر الأولى من الحرب السودانية، حين فرضت عليها قوات الدعم السريع حصاراً برياً امتد لأشهر. فبعد أن نجح الجيش السوداني في كسر ذلك الحصار واستعادة خطوط الإمداد، انتقلت المعركة إلى مرحلة أكثر تعقيداً وأشد خطورة، عنوانها “حرب المسيّرات”، التي أصبحت تغير طبيعة الصراع في السودان بصورة متسارعة.
وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة، وصفت بأنها من أعنف الهجمات منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وأسفرت، وفق حصيلة أولية أوردتها منظمات حقوقية ووكالة الصحافة الفرنسية، عن مقتل ما لا يقل عن 23 مدنياً وإصابة العشرات، بينما لم تصدر قوات الدعم السريع تعليقاً رسمياً على الاتهامات الموجهة إليها بتنفيذ الهجمات.
تحول استراتيجي في الحرب
تكشف الهجمات الأخيرة عن تحول واضح في أساليب القتال داخل السودان. ففي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة قوات الدعم السريع على اقتحام المدن الرئيسية أو فرض حصار بري طويل الأمد، برز استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى كسلاح قادر على تجاوز خطوط المواجهة واستهداف أهداف عسكرية ومدنية داخل مناطق يسيطر عليها الجيش.
ويمثل هذا التحول امتداداً لنمط جديد من الحروب شهدته صراعات أوكرانيا والشرق الأوسط، حيث أصبحت المسيّرات منخفضة التكلفة قادرة على إحداث تأثير استراتيجي يفوق كلفتها العسكرية، سواء عبر استهداف مراكز القيادة أو البنية التحتية أو إثارة الذعر بين السكان.
لماذا الأبيض؟
لا تنبع أهمية الأبيض من كونها عاصمة ولاية شمال كردفان فحسب، بل لأنها تمثل العقدة الجغرافية التي تربط وسط السودان بإقليم دارفور غرباً، كما تعد مركزاً رئيسياً للطرق المؤدية إلى شمال وجنوب كردفان.
وتضم المدينة قيادة الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني، التي تمثل أحد أهم مراكز القيادة العسكرية في الإقليم، فضلاً عن كونها قاعدة لوجستية رئيسية لإمداد القوات الحكومية المنتشرة في كردفان ودارفور.
ولهذا ينظر إليها باعتبارها “بوابة الغرب السوداني”، وأي تعطيل لقدراتها العسكرية أو اللوجستية ينعكس مباشرة على مجريات العمليات في عدة جبهات.
من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب الاقتصاد
اللافت في الهجمات الأخيرة أن أهدافها لم تقتصر على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى الأحياء السكنية ومحطات الوقود والشاحنات التجارية ومرافق الخدمات.
ويشير هذا النمط إلى انتقال المعركة من محاولة إضعاف القدرات العسكرية إلى استنزاف الاقتصاد المحلي وتعطيل الحياة اليومية، عبر إرباك حركة الإمدادات ورفع تكاليف النقل والتوزيع، وهو تكتيك يهدف إلى إنهاك المدينة من الداخل حتى في حال تعذر السيطرة عليها ميدانياً.
كما أن استهداف شاحنات الأغذية ومحطات الوقود يهدد بزيادة أسعار السلع الأساسية، في مدينة تستضيف أعداداً ضخمة من النازحين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
عبء إنساني متفاقم
تحولت الأبيض خلال العامين الماضيين إلى واحدة من أكبر مدن اللجوء الداخلي في السودان، بعدما استقبلت مئات الآلاف من الفارين من القتال في دارفور وكردفان.
وأدى هذا التدفق الكبير إلى ضغوط هائلة على المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، بينما حذرت منظمات الإغاثة من أن استمرار الهجمات قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويعرقل وصول المساعدات الطبية والغذائية إلى السكان.
كما اعتبرت مجموعات حقوقية أن استهداف المدنيين ومواكب تشييع الضحايا – إذا ثبتت الوقائع – يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وطالبت بإجراء تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عن تلك الهجمات.
حرب المسيّرات… ميزان قوة جديد
خلال العام الأخير، أصبحت الطائرات المسيّرة أحد أبرز الأسلحة المستخدمة في الحرب السودانية، بعدما أثبتت قدرتها على تجاوز الدفاعات التقليدية وضرب أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط القتال.
ويرى محللون عسكريون أن هذا التطور يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة تعتمد على التكنولوجيا منخفضة الكلفة ذات التأثير العالي، وهو ما يجعل حماية المدن أكثر صعوبة مقارنة بالتصدي للهجمات البرية أو القصف المدفعي التقليدي.
كما أن انتشار المسيّرات يفرض تحديات كبيرة أمام الجيش السوداني، الذي بات مطالباً بتوسيع منظومات الرصد والدفاع الجوي لحماية المدن والمنشآت الحيوية، وليس فقط جبهات القتال.
هل أصبحت كردفان مركز الحرب؟
بعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على أجزاء واسعة من وسط البلاد، انتقل الثقل العسكري تدريجياً إلى إقليم كردفان، الذي تحول إلى ساحة التنافس الرئيسية بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وتسعى القوات الحكومية إلى تأمين طرق الإمداد المؤدية إلى دارفور، بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على نفوذها في الغرب ومنع الجيش من تحقيق اختراق استراتيجي قد يغيّر موازين الحرب.
وفي هذا السياق، تبدو مدينة الأبيض الهدف الأكثر حساسية، لأنها تمثل مركز القيادة والإمداد العسكري، وفي الوقت نفسه مركزاً مدنياً يضم مئات الآلاف من السكان والنازحين.
إلى أين تتجه الحرب؟
تكشف هجمات الأبيض أن الحرب السودانية تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية السيطرة الميدانية المباشرة لصالح القدرة على توجيه ضربات دقيقة بواسطة الطائرات المسيّرة، بما يوسع نطاق التهديد ليشمل المدن البعيدة عن خطوط الاشتباك.
وإذا استمرت وتيرة هذه الهجمات، فقد تتحول مدن أخرى في السودان إلى أهداف مماثلة، الأمر الذي ينذر بمزيد من الخسائر البشرية، ويزيد الضغوط على الاقتصاد السوداني والجهود الإنسانية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة بعيدة المنال، بينما يحذر المجتمع الدولي من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة الصراع.







