في تحرك خليجي يضع الاقتصاد والبنية التحتية في صدارة مسارات التعاون الإقليمي، دعا الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي، الجمعة 25 سبتمبر، إلى تعزيز التقارب والربط في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والاقتصاد الرقمي، مؤكداً أن ربط الأسواق والبنى التحتية والقدرات يمكن أن يعزز المرونة الاقتصادية ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار.
وجاءت الدعوة خلال ندوة «التقارب الإقليمي من أجل الطاقة والتجارة والربط»، التي نظمتها الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نيويورك، على هامش اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
الاضطرابات تعيد ملف الربط إلى الواجهة
وتكتسب التحركات الخليجية أهمية إضافية في ظل الاضطرابات التي شهدتها طرق الطاقة والتجارة في المنطقة خلال الأشهر الماضية، وما فرضته من ضغوط على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد.
وأشار البديوي إلى تجربة الربط الكهربائي الخليجي باعتبارها نموذجاً عملياً للتعاون بين دول المجلس، موضحاً أن المشروع أظهر قدرة التكامل الإقليمي على تعزيز المرونة وتحقيق فوائد اقتصادية واستراتيجية.
ولا يقتصر المسار المطروح على الطاقة، إذ تتجه الرؤية الخليجية إلى تحديد فرص وممرات جديدة في التجارة والنقل والربط الرقمي، مع توسيع المشاركة لتشمل الحكومات والمؤسسات المالية والمستثمرين السياديين والقطاع الخاص.
وبذلك ينتقل الحديث عن التكامل من التنسيق بين الحكومات إلى محاولة بناء مشروعات وشبكات عابرة للحدود، يمكن أن تدعم حركة التجارة وتوفر بدائل أوسع أمام الاقتصادات الخليجية في مواجهة الاضطرابات الخارجية.
شراكة خليجية أوروبية
وفي مسار متصل، أكد البديوي أهمية تطوير الشراكة بين دول الخليج وأوروبا، خصوصاً في حماية المنشآت الحيوية وتأمين الملاحة البحرية واستمرار حركة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن القمة الخليجية الأوروبية الثانية، المقرر عقدها في الرياض خلال أكتوبر المقبل، تمثل محطة جديدة لدفع التعاون بين الجانبين نحو مشروعات عملية على أرض الواقع.
وتتقاطع هذه التحركات مع تحليل نشره مركز «تشاتام هاوس»، في 25 سبتمبر، للباحث ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تناول فيه تأثير أزمة مضيق هرمز على خريطة الطاقة والتجارة في المنطقة.
وأشار منصور إلى تحركات في العراق وسوريا ولبنان لتطوير خطوط أنابيب وطرق وسكك حديدية وممرات رقمية يمكن أن توفر مسارات اتصال جديدة بين الخليج وأوروبا، لكنه شدد على أن نجاح مثل هذه المشروعات لا يرتبط بالبنية التحتية وحدها، وإنما بقدرة الدول على تطوير مؤسسات قادرة على إدارة هذه الشبكات وحمايتها واستمرارها.
البحث عن مسارات أكثر مرونة
وتعكس هذه التطورات اتجاهاً إقليمياً أوسع نحو تنويع مسارات الطاقة والتجارة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية، في وقت أثبتت فيه اضطرابات مضيق هرمز مدى حساسية اقتصادات المنطقة لأي تعطل في طرق الإمداد.
وتملك السعودية والإمارات بالفعل مسارات لتصدير النفط لا تمر عبر مضيق هرمز، فيما عززت الرياض استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب، واعتمدت الإمارات على خط حبشان–الفجيرة خلال فترات اضطراب الملاحة في المضيق.
لكن الانتقال من تعدد المسارات الوطنية إلى شبكة إقليمية متكاملة يتطلب مستوى أكبر من التنسيق في البنية التحتية والنقل والاستثمارات والقواعد المنظمة للمشروعات العابرة للحدود.
المياه تدخل معادلة الأمن الخليجي
ولم يقتصر التحرك الخليجي على الطاقة والتجارة. ففي 25 سبتمبر أيضاً، أكد البديوي أن الأمن المائي يمثل أولوية استراتيجية لدول مجلس التعاون، لارتباطه بالأمن الإنساني والغذائي والطاقة والازدهار الاقتصادي.
وأشار إلى استمرار العمل بين دول المجلس على استكشاف وتطوير الربط المائي الإقليمي، إلى جانب الخبرات التي راكمتها دول الخليج في تحلية المياه وإعادة استخدامها وإدارة الطلب وتوظيف التقنيات الحديثة.
وتكشف تحركات مجلس التعاون خلال اجتماعات نيويورك عن توجه نحو توسيع مفهوم التكامل الخليجي، ليشمل شبكات الطاقة والمياه والنقل والتجارة والاقتصاد الرقمي، بالتوازي مع بناء شراكات إقليمية ودولية أوسع.
ويبقى تحول هذه الرؤية إلى واقع مرتبطاً بقدرة الدول الست وشركائها على نقل المبادرات من مرحلة الحوار ووضع خرائط الطريق إلى مشروعات مترابطة قابلة للتنفيذ والتمويل، بما يعزز قدرة اقتصادات الخليج على التعامل مع الأزمات والتحولات المتسارعة في طرق التجارة والطاقة.


