في رسالة حملت نبرة تحدٍ وأمل، أكد رئيس حركة حركة النهضة، راشد الغنوشي، أن مستقبل تونس سيبقى رهين الحرية ودولة القانون والمؤسسات، والتداول السلمي على السلطة “ولو بعد حين”، وذلك في رسالة وجّهها من محبسه بسجن المرناقية إلى أنصار الحركة وأعضائها.
الغنوشي، الذي يترأس البرلمان التونسي المنحل، شدد في رسالته على أن بناء الأوطان لا يكون بالقهر أو الإقصاء، بل عبر الشورى والعدل واحترام إرادة المواطنين. وقال إن الديمقراطية ليست مفهوماً دخيلاً على الثقافة الإسلامية، بل تنسجم – وفق تعبيره – مع مقاصدها الكبرى في مقاومة الاستبداد وصيانة كرامة الإنسان.
وأكد أن المسارات السياسية قد تتعثر وأن الطريق نحو الاستقرار قد يطول، غير أن “سنة التاريخ” – على حد وصفه – تثبت أن الشعوب الحية لا تموت، وأن إرادة الحرية لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد. كما دعا أنصار حركته إلى الثبات على القيم والمبادئ، مشيراً إلى أن المشاريع الكبرى لا تختزل في أشخاص، وأن الحرية أمانة تتوارثها الأجيال.
وتأتي هذه الرسالة في سياق قضائي وسياسي معقد يحيط بالغنوشي منذ توقيفه في 17 أبريل/نيسان 2023، إثر مداهمة منزله واتهامه بـ“التحريض على أمن الدولة”. ومنذ ذلك الحين، صدرت بحقه عدة أحكام في قضايا مختلفة، أبرزها القضية المعروفة إعلامياً بـ“التآمر على أمن الدولة 2”.
وفي 3 فبراير/شباط الجاري، رفعت محكمة الاستئناف في تونس الحكم الصادر بحقه إلى السجن 20 سنة، بعدما كانت محكمة ابتدائية قد قضت بسجنه 14 سنة في القضية ذاتها. وتعود وقائع الملف إلى سبتمبر/أيلول 2023، عندما أصدر قاضٍ مذكرات توقيف دولية بحق 12 شخصاً، قبل أن يتسع نطاق التحقيق ويزداد عدد المتهمين في ما بات يُعرف بقضية “التآمر 2”.
وفي 8 يوليو/تموز 2025، أصدرت محكمة تونسية أحكاماً ابتدائية تراوحت بين 12 و14 سنة بحق عدد من الموقوفين، بينما حُكم على متهمين آخرين في حالة فرار بالسجن 35 سنة مع إخضاعهم لمراقبة إدارية لمدة خمس سنوات. وقد نفى جميع المتهمين صحة الاتهامات الموجهة إليهم، معتبرين أنها تفتقر إلى الأساس القانوني.
وسبق ذلك بأشهر، وتحديداً في 19 أبريل/نيسان 2025، أن أصدرت محكمة تونسية أحكاماً بالسجن تراوحت بين 4 سنوات و66 سنة بحق 40 متهماً في القضية المعروفة بـ“التآمر على أمن الدولة 1”، والتي تضمنت تهماً مشابهة.
السلطات التونسية تؤكد من جانبها أن جميع الموقوفين يُحاكمون في قضايا جنائية تتعلق بأمن الدولة أو شبهات فساد، وتنفي وجود سجناء على خلفية سياسية. في المقابل، ترى أطراف معارضة أن تلك الملفات تُستخدم في إطار صراع سياسي أوسع، وتصفها بأنها ملاحقات تستهدف خصوماً سياسيين.
رسالة الغنوشي الأخيرة تعكس استمرار التجاذب الحاد في المشهد التونسي بين روايتين متناقضتين: رواية رسمية تؤكد احترام القضاء واستقلاليته، ورواية معارضة ترى أن المسار الديمقراطي الذي انطلق بعد 2011 يمر بمرحلة انكماش. وبين هاتين المقاربتين، يبقى السؤال مفتوحاً حول مآلات الحياة السياسية في تونس، وقدرتها على استعادة توافق وطني يوازن بين مقتضيات الاستقرار وضمانات الحرية.


